من المتعارف عليه لدى عامة الناس وخاصتهم أن المعرفة لا تتحقق إلا بوجود عقل مفكّر، والدليل على ذلك أنّ الإنسان بطبيعته كائن متسائل، ينشغل بقضايا إنسانية كبرى مثل الحرية، والوجود، والمعرفة، كما يتساءل أيضًا عن الظواهر ذات الطابع المادي كظواهر الطبيعة. وهكذا نجد أنفسنا أمام نوعين من الأسئلة: أسئلة فلسفية وأخرى علمية. وهذا ما يدفعنا إلى طرح الإشكال التالي: ما أوجه الاختلاف والتشابه بين السؤال العلمي والسؤال الفلسفي؟ وهل توجد علاقة أو ترابط بينهما؟
أولًا: أوجه الاختلاف :
من حيث طبيعة الموضوع، يتمحور السؤال العلمي حول الطبيعة والظواهر المحسوسة القابلة للملاحظة والتجربة، أي مجال الفيزياء. أمّا السؤال الفلسفي فينصبّ على ما وراء الطبيعة والمعقولات المجرّدة، أي مجال الميتافيزيقا.
ومن حيث التخصص، يتّسم السؤال العلمي بالطابع الجزئي والمحدود، إذ يهتم بدراسة ظاهرة معيّنة مثل سقوط الأجسام، في حين يتميّز السؤال الفلسفي بالشمول والكلية لارتباطه بقضايا إنسانية عامة كقضية الحرية والأخلاق.
كما يعتمد السؤال العلمي على التقدير الكمي ولغة الرياضيات، مثل التساؤل عن مقدار قوة الجاذبية، بينما يستعمل السؤال الفلسفي لغة مفاهيمية خاصة تتغيّر دلالاتها باختلاف المذاهب الفلسفية.
ومن حيث المنهج، يقوم السؤال العلمي على المنهج التجريبي الاستقرائي، في حين يعتمد السؤال الفلسفي على المنهج العقلي التأملي.
أمّا من حيث الهدف، فإن السؤال العلمي يسعى إلى الوصول إلى نتائج دقيقة تصاغ في شكل قوانين، ويبحث عن الأسباب القريبة للظواهر، بينما يهدف السؤال الفلسفي إلى بلوغ تصوّرات وحقائق عامة غالبًا ما تختلف باختلاف المواقف الفلسفية، أو إلى البحث عن الأسباب القصوى والبعيدة.
ومن حيث المبادئ، ينطلق السؤال العلمي من التسليم بمبادئ قبلية قبل التجربة مثل مبدأ السببية والحتمية، في حين ينطلق السؤال الفلسفي من مسلّمات يتمّ التسليم بها بعد البحث والنقاش، كمسلمات المعتزلة في إثبات الحرية، ومسلمات الجبرية في نفيها.
ثانيًا: أوجه الاتفاق (التشابه):
يتّفق السؤال العلمي والسؤال الفلسفي في كونهما وسيلتين أساسيتين لتحصيل المعرفة وبناء المنتوج الثقافي والحضاري، كما أنّهما ينبعان من حبّ المعرفة والفضول الفكري.
كلاهما يثير الدهشة والحيرة ويدفع إلى البحث نتيجة الشعور بوجود مشكلة أو قلق معرفي، ولذلك يتخذان صيغة استفهامية، مثل تساؤل باستور حول ظاهرة التعفّن، وتساؤل كانط حول أصل المعرفة ودور العقل والحواس.
كما أنّهما نشاطان منظّمان، منهجيان، وقصديان، يهتمان بموضوع معيّن وفق طبيعته، ويعتمدان على مهارات عقلية مكتسبة وخاصة تهدف إلى تأسيس المعرفة.
ثالثًا: أوجه التداخل:
يلاحظ عمليًا أنّ العلاقة بين السؤال العلمي والسؤال الفلسفي ليست علاقة انفصال تام، بل علاقة تداخل وتكامل. فالسؤال العلمي يُعدّ في الأصل نتاجًا للسؤال الفلسفي، لأن الفلسفة عبّرت أولًا عن حيرة الإنسان تجاه الوجود ككل، ثم توجّه التفكير لاحقًا إلى دراسة الظواهر الطبيعية وكيفية حدوثها، ومن هنا نشأت العلوم، ولذلك اعتُبرت الفلسفة أمّ العلوم.
كما أنّ السؤال الفلسفي يساهم في توجيه السؤال العلمي من خلال طرح الإشكاليات التي تتحوّل إلى مشكلات علمية تتعلق بالوجود المادي والإنساني. وفي المقابل، قد تنتهي نتائج البحث العلمي إلى قضايا تثير تساؤلات فلسفية، مثل إشكالية الاستنساخ وعلاقته بالأخلاق والإنسان، مما يدلّ على أنّ السؤال العلمي بدوره يخدم السؤال الفلسفي.