المقارنة بين السؤال والمشكلة

الطريقة: المقارنة

المقدمة (طرح الإشكال):
بما أنّ المعرفة خاصية إنسانية ملازمة للوجود البشري، فقد سعى الإنسان منذ القدم إلى تجاوز مختلف العوائق التي تعترضه، من خلال البحث عن الشروط والأسباب التي تتحكم في الظواهر التي يخضع لها، قصد التكيّف معها وفهمها. ويتم هذا المسعى عبر طرح الأسئلة، غير أنّ تدرّج السؤال في درجة الصعوبة والعمق يجعله يتحوّل أحيانًا إلى مشكلة. ولأنّ الكثير من الناس لا يميّزون بين مفهومي السؤال والمشكلة، فإنّ ذلك يطرح إشكال العلاقة بينهما. وعليه نتساءل: ما أوجه الاختلاف والتشابه بين السؤال والمشكلة؟ وما طبيعة العلاقة التي تربط بينهما؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن التمييز بين السؤال والمشكلة؟



المقدمة (طرح الإشكال):
أولًا: أوجه الاختلاف: يختلف السؤال عن المشكلة من حيث المجال، فالمشكلة غالبًا ما تُعدّ مسألة فلسفية تُدرج ضمن مجال محدّد، حيث يُحصر الموضوع ويُطرح طرحًا فلسفيًا دقيقًا، مثل القول: متى يثير السؤال الفلسفي الدهشة؟ فمجال البحث هنا محدود، ويرتبط بالسؤال الفلسفي وعلاقته بحالة انفعالية هي الدهشة. أمّا السؤال، فإنّ مجاله أوسع وأكثر تنوّعًا، إذ يمكن أن يمتد من البسيط إلى المعقّد بحسب درجة الإثارة التي ينطوي عليها. كما يختلفان من حيث الصياغة؛ فالسؤال يُصاغ دائمًا بصيغة استفهامية لأنه تعبير مباشر عن طلب المعرفة، مثل: ما ثمن الشيء؟ ما حقيقة الشيء؟ هل العقل مصدر المعرفة؟ في حين أنّ المشكلة قد تُصاغ صياغة تقريرية أو موضوعية دون استعمال أداة استفهام، كما هو الحال في عرض أطروحات فلسفية تتضمّن تعارضًا أو تناقضًا، مثل الجمع بين الحرية والحتمية، أو القول بوجود علاقة تكامل بين السلب والإيجاب. ففي هذه الحالات يُطلب من الدارس تحليل الأطروحة ومناقشتها دون أن تُعرض في صيغة سؤال مباشر. ويختلف السؤال عن المشكلة أيضًا من حيث النتائج؛ فالمشكلة، بحكم ارتباطها بمجال محدّد، تُعالج غالبًا ضمن إطار فلسفي أو مذهب معيّن، مما يجعل نتائجها نسبية وصحيحة داخل السياق الذي تُطرح فيه. أمّا السؤال فقد يتّخذ طابعًا إشكاليًا عامًا، ويعجز العقل عن تقديم إجابة نهائية عنه، فيتحوّل إلى إشكالية مفتوحة، كما في السؤال: هل هناك ما يدعو إلى الحديث عن ثوابت مطلقة في عصر المتغيرات؟ وهو سؤال يزداد تعقيدًا بسبب الإيمان بنسبية المعرفة وتغيّرها المستمر. كما يظهر الاختلاف بينهما من حيث التضمّن؛ فالسؤال غالبًا ما يتضمّن مشكلة أو عدة مشكلات، لذلك يمكن اعتبار المشكلة جزءًا من السؤال. فإذا طرحنا مثلًا: فيما يتمثل أساس القيم الأخلاقية؟ فإنّ هذا السؤال يتضمّن إشكالية كبرى تندرج ضمنها مشكلات فرعية، كوجهة نظر العقليين، والطبيعيين، والاجتماعيين، وأصحاب النزعة الدينية.

ثانيًا: أوجه التشابه: على الرغم من مظاهر الاختلاف، فإنّ السؤال والمشكلة يشتركان في عدة نقاط. فكلاهما يهدف إلى البحث عن الحقيقة وتجاوز حالة الجهل، إذ إنّ وجودهما يستدعي السعي إلى الفهم وتفسير الظواهر ومعرفة أسبابها. فطرح سؤال حول أساس القيم الأخلاقية، مثل: هل العقل أساس القيم الأخلاقية؟ يهدف إلى تحديد معيار للخير والشر وتقييم السلوك الإنساني. كما يشترك السؤال والمشكلة في إثارة العقل ودفعه إلى التفكير، لأنّ الإنسان يفترض وجود جواب لكل ما يُطرح عليه، وهو ما يفرض نشاطًا ذهنيًا يتجلّى في عمليات عقلية كالتذكّر، والتخيّل، والاستدلال، والذكاء. ويشتركان كذلك في أنّهما غالبًا ما يُقدّمان في صيغة استفهامية، لأنّ العقل لا ينفعل ولا ينشط إلا بوجود تساؤل أو إثارة فكرية.

ثالثًا: التداخل وضبط العلاقة : يتبيّن من ذلك أنّ التفكير هو العنصر المشترك والأساس في العلاقة بين السؤال والمشكلة. فمصير السؤال الفلسفي والمشكلة الفلسفية مرتبط بالإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا وفضوليًا. إنّ التمييز بين السؤال والمشكلة يتطلّب جهدًا عقليًا واعيًا للفصل في القضايا المطروحة. وفي هذا السياق يقول جون ديوي: «إنّ التفكير لا ينشأ إلا إذا وُجدت مشكلة، وإنّ الحاجة إلى حلّ أي مشكلة هي العامل المرشد دائمًا في عملية التفكير».



الخاتمة (حل المشكلة):
وخلاصة القول، رغم ما بين السؤال والمشكلة من اختلافات وتشابهات، فإنّ العلاقة بينهما ليست علاقة تطابق ولا انفصال تام، بل علاقة عقلية قائمة على التفاعل والتداخل. فقد يجد السؤال أو المشكلة حلًّا، وقد يظلّان معلّقين بسبب تعقيد القضايا التي يطرحانها، وهو ما يدفع الإنسان إلى مواصلة التفكير والبحث. وعليه، فإنّ العلاقة بين السؤال والمشكلة تقوم أساسًا على النشاط العقلي بوصفه جوهر العملية المعرفية