هل تقدم العلم يؤثر سلبا على وجود الفلسفة؟

طرح المشكلة - المقدمة :
يعتقد البعض أن ميدان الفلسفة غير ميدان العلم، حيث تعالج الفلسفة الإشكاليات المتعلقة بالوجود والقيم والحقائق الأولية، بينما يعالج العلم القضايا الواقعية المبنية على الاستقراء. هذا التباين أحدث قطيعة بين المعرفة الفلسفية والحقيقة العلمية، مما جعل بعض العلماء يشككون في طبيعة الفلسفة بعد ظهور العلم. السؤال المطروح: ما الذي يبرر وجود الفلسفة بعد استحواذ العلم على المواضيع؟ هل تقدم العلم يجعل الفلسفة جدلاً لا طائل منه؟



الموقف الأول: لا جدوى من الفلسفة بعد تطور العلم
يذهب بعض الفلاسفة من أنصار النزعة العلمية مثل غوبلو وأوغست كونت إلى أن المعرفة الفلسفية لم تعد لها دور في الحياة الإنسانية بعد التقدم العلمي.

الحجة :
الفلسفة بحث عبثي لا يصل إلى نتيجة نهائية، حيث تتعدد الإجابات المتناقضة. نظرتها الميتافيزيقية تبعدها عن الدقة والموضوعية التي يتميز بها الخطاب العلمي، مما دفع أوغست كونت لتصنيفها كحالة على الفكر البشري التخلص منها، وقال غوبلو: "المعرفة التي لا تُبنى على العلم هي معرفة جاهلة".

النقد والمناقشة :
طبيعة الفلسفة تختلف عن طبيعة العلم، فلا يمكن مقارنتهما. كما أن الفلسفة حفزت تقدم العلم، فالإنسان لم يكف عن التفلسف، بل تطورت من فلسفة إلى أخرى.

الموقف الثاني: هناك من يبرر وجود الفلسفة رغم تطور العلم
يرى أنصار الاتجاه الفلسفي مثل ديكارت، برغسون، هيدغر، وكارل ياسبيرس أن العلم لا يمكن أن يحل محل الفلسفة فهي ضرورية.

الحجة :
الفلسفة تجيب عن تساؤلات لا يجيب عنها العلم. ياسبيرس يرى أن العلم يهتم بأجزاء محددة من الوجود مثل المادة الحية والجامدة، بينما الفلسفة تتناول مسألة الوجود ككل. هيدغر يرى أن الفلسفة موضوعها مترامي الأطراف. برغسون يعتبر العلوم نسبية ونفعية، بينما الفلسفة تسعى لمعرفة الأشياء في حد ذاتها. وديكارت ربط تحضر الأمم بقدرة أفرادها على التفلسف.

النقد والمناقشة :
الفلسفة رغم طرحها لمسائل مجردة، لا تسهم مباشرة في تحسين حياة الإنسان اليومية كما يفعل العلم. لذا فإن الحاجة إليها مرتبطة بمدى معالجتها لمشاكل وهموم الإنسان.

التركيب :
لكل من الفلسفة والعلم خصوصيات مميزة، فلا ينبغي للإنسان أن يثق في العلم وحده لحل كل مشاكله، ولا أن ينظر إلى الفلسفة بعجز. ينبغي التمسك بكليهما، فالعلوم تولد الفلسفة وتتجدد عبرها، كما قال لؤي التو سير: "لكي تولد الفلسفة أو تتجدد نشأتها، لا بد لها من وجود العلوم".

حل المشكلة - الخاتمة :
الإنسان يعتمد في تكوين معرفته على الفلسفة والعلم معاً. الفلسفة تطرح الأسئلة، والعلم يسعى للإجابة عنها، ثم تعيد الفلسفة نقد هذه الإجابات، مما يدفع العلم لمزيد من الاكتشاف. العلوم كانت الأساس الذي قامت عليه الفلسفة وتجددت عبر العصور.