علاقة الرياضيات بالمنطق

الطريقة: تركيبي، استنتاجي

نص السؤال:
هل يمكن رد الرياضيات إلى أصول منطقية؟



طرح المشكلة (المقدمة):
إذا ما اعتبرنا أن الرياضيات هي دراسة المقادير الكمية القابلة للقياس، والمنطق هو ذلك العلم الذي يعصم العقل من الوقوع في الزلل، كما أن الحدود الرياضية حدود كمية بينما الحدود المنطقية حدود كيفية، فإن الجدل يحتدم بين الفلاسفة والعلماء حول ما إذا كانت هناك علاقة بين الرياضيات والمنطق. فمنهم من أوجب هذه العلاقة ومنهم من رفضها قطعًا.
لذا جاز لنا أن نتساءل: هل يمكن إرجاع الرياضيات إلى أسس منطقية؟ بتعبير أدق: هل ترتد الرياضيات إلى أصول منطقية؟



محاولة حل المشكلة (التحليل):

الموقف الأول:
يرى جملة من الفلاسفة والمفكرين أن العمليات البرهانية في الرياضيات لا تتم إلا إذا انطلقت من المبادئ (المقدمات) وصولًا إلى النتائج، وهذا ما يجسده المنطق أيضًا في عملياته القياسية، خاصة في القضايا. وقد دفع هذا بعض المناطقة إلى القول بأن البرهان الرياضي نوع من الاستدلال المنطقي، وأن العلاقة بين الرياضيات والمنطق مبنية على التلاحم والانسجام.
ويستدلون على ذلك بقول برتراند راسل: "المنطق شباب الرياضيات، والرياضيات تمثل طور الرجولة للمنطق". كما أن كليهما استدلال يقوم على مبادئ العقل، ويعتمدان على الحدس والاستنتاج. ويرى راسل أن الفصل بينهما في العصر الحالي صعب بعد التطور الذي حصل فيهما، حتى يبدو من العسير إيجاد فاصل واضح بينهما.

نقد (مناقشة) الموقف الأول:
لكن نلاحظ أن القول بأن البرهان الرياضي مجرد استدلال منطقي غير دقيق في ضوء تمييز العصر الحالي بين طبيعة الاستدلالين: فصدق النتائج في القياس يتوقف أساسًا على صدق المقدمات، بينما في الرياضيات نجد صرامة بنائية داخل النسق تضمن لزوم النتائج وفق قواعد التحويل. ثم إن وجود تشابه صوري بينهما لا يجعل منهما شيئًا واحدًا.

الموقف الثاني (نقيض القضية):
على النقيض من ذلك يرى جملة من الرياضيين والعلماء أن الرياضيات لا ترتد في أصلها إلى المنطق. وقد ذهب بوانكاريه إلى أن الاستدلال الرياضي استدلال توليدي، أما الاستدلال المنطقي فاستدلال تكراري تكون نتائجه متضمنة في المقدمات.

مثال توضيحي:
(x + 1) = 0
(x + 1 - 1) = (0 - 1)
x = -1
فنلاحظ هنا أن النتيجة (-1) لم تُذكر جاهزة في المقدمات، بل تولدت عبر التحويل والتحليل.

أما في القياس المنطقي:
All humans are mortal (كبرى)
Socrates is human (صغرى)
Therefore Socrates is mortal (نتيجة)
فالنتيجة هنا متضمنة في المقدمة الكبرى ولم تضف جديدًا، وهو ما جعل بعضهم يعدّه استدلالًا تكراريًا، بخلاف الرياضيات التي تُعد نتائجها ابتكارية.

وفي نفس المنحى ذهب غوبلو رافضًا رد الرياضيات إلى المنطق، بدعوى أن الاستدلال الرياضي استدلال تعميمي، بينما الاستدلال المنطقي ينتقل من العام إلى الخاص إلى الأكثر خصوصية.

نقد (مناقشة) الموقف الثاني:
لكن رغم هذا الاختلاف والتباين، فهما قد يمتثلان صوريًا؛ إذ يعتمد كل منهما على الانتقال من مقدمات إلى نتائج لازمة عنها لزوما ضروريًا. ثم إن الفصل بينهما بشكل مطلق فيه جانب كبير من التعسف، والواقع العلمي يفند ذلك لأن بينهما تداخلا واضحًا خاصة مع المنطق الرمزي.

التركيب:
وعموما، وعلى الرغم من الجدل الطويل بين المناطقة والرياضيين حول ما إذا كان التكامل هو السمة البارزة أم يغلب طابع الاختلاف، فإن الأقرب هو أن التكامل هو الصفة الغالبة. ذلك لأن المنطق لم يبق في أحضان الفلسفة فحسب، بل انتقل من اللغة العادية إلى اللغة الرمزية ذات الطابع الرياضي، وهذا ما يدل على علميته وتطوره، كما يدل على تداخل وظيفي بينه وبين الرياضيات.



الخاتمة (حل الإشكال):
وأخيرا يمكننا القول: رغم وجود اختلافات بين الاستدلال الرياضي والاستدلال المنطقي، إلا أن الطبيعة الاستنتاجية فيهما تقوم على مبادئ العقل (مثل مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض)، كما أن كليهما يعتمد على نسق من القواعد يضمن لزوم النتائج عن المقدمات. لذلك فالصواب هو الإقرار بعلاقة تكامل وتداخل، دون ردٍّ مطلق لأحدهما إلى الآخر.