مقارنة بين الرياضيات والعلوم التجريبية (بكالوريا)
الطريقة: المقارنة
طرح المشكلة:
إن جميع العلوم تختلف عن بعضها البعض من حيث الموضوع والمنهج والهدف، وبالتالي فالنتائج التي يتوصل إليها الإنسان
تجعل معارفه متعددة ومتنوعة لكي تتوافق وتنسجم مع الموضوع الذي تدرسه.
غير أن العلوم الرياضية طابعها عقلي تجريدي، في حين أن العلوم الطبيعية تجريبية.
مما جعل البعض يعتقد بوجود تباين وتمايز بين المعرفتين.
لذا يمكننا أن نتساءل عن طبيعة العلاقة الموجودة بينهما:
هل هي علاقة اتفاق أم تتسم بالاختلاف والتباين؟
وبعبارة أخرى: فيما تتفق كل من الرياضيات والعلوم التجريبية؟ وهل ثمة اختلاف بين المعرفتين؟
وما طبيعة العلاقة القائمة بين العلمين؟
محاولة حل المشكلة:
أولًا: أوجه الاختلاف:
تختلف الرياضيات عن العلوم التجريبية من حيث الموضوع؛ فالرياضيات تختص بالدراسات العقلية التي يميزها التجريد
وما هو قابل للقياس بنوعيه: المنفصل والمتصل، في حين تعنى العلوم التجريبية بدراسة الظواهر الطبيعية المختلفة.
أما من حيث المنهج، فمنهج الرياضيات منهج عقلي استنتاجي يقوم على الانطلاق من مقدمات ثم الوصول إلى نتائج لازمة عنها،
لأن معيارها هو تطابق الفكر مع ذاته دون اشتراط مطابقته المباشرة للواقع.
بينما المنهج المعتمد في العلوم التجريبية هو المنهج الاستقرائي، وهو الانتقال من قضايا جزئية إلى قضايا كلية،
أي من الخاص إلى العام، معتمدًا على خطوات: الملاحظة، الفرضية، التجربة، ثم القانون.
وبذلك ينتقل العالم التجريبي من الخاص إلى العام بعكس الرياضي الذي ينتقل غالبًا من العام إلى الخاص.
كما تختلف النتائج: فنتائج الرياضيات تمتاز بالدقة والثبات واليقين النسقي لكون موضوعها مفاهيم عقلية مجردة،
بينما نتائج العلوم التجريبية تتصف بالنسبية والتغير لأنها تتعامل مع واقع متغير.
ومعيار الصدق في العلوم التجريبية هو مطابقة النتائج للواقع (إضافة إلى الاتساق العقلي)،
وهو ما يجعل نتائجها احتمالية قابلة للتعديل والتصحيح.
ويمكن القول أيضًا إن قضايا الرياضيات يغلب عليها الطابع الصوري والتحليلي والتركيبي داخل نسقها الرمزي،
وصدقها صوري يقيني، أما العلوم الطبيعية فقضاياها تركيبية وصدقها واقعي تجريبي،
ويغلب عليها الاحتمال والنسبية.
ثانيًا: أوجه التشابه (الاتفاق):
رغم الاختلاف، فهناك مواطن اتفاق؛ فكلاهما نشاط عقلي يقوم على التفكير والاستدلال:
فالعالم الرياضي والعالم الطبيعي يفترضان ثم يستدلّان على صحة ما افترضا.
كما أن بدايات الرياضيات كانت مرتبطة بالحس والواقع خاصة عند الإنسان البدائي، وهو ما يقربها من العلوم التجريبية.
وكلاهما يسعى إلى اكتشاف القوانين وإضافة معارف جديدة للإنسان، وكلاهما يعتمد مبدأ التعميم،
لأن العلم لا يقف عند الجزئيات بل يطمح إلى الكليات، وقد قيل قديمًا: لا علم إلا بالكليات.
كما يشتركان في استعمال اللغة الرمزية، وفي الانطلاق من مبادئ قبلية ثم بناء نتائج وفق قواعد مضبوطة.
ثالثًا: مواطن التداخل (طبيعة العلاقة بينهما):
العلاقة بين الرياضيات والعلوم التجريبية علاقة تأثير متبادل وتكامل.
فالعالم الطبيعي يصوغ قوانينه ويعبّر عنها في كثير من الأحيان بصياغة رياضية،
لأن الرياضيات تمنح القوانين دقة وصرامة وتسمح بالقياس والتنبؤ.
وفي المقابل يستفيد الرياضي من الواقع ومن تطبيقات العلوم التجريبية
لأن المفاهيم الرياضية قد تبدو خاوية ما لم تجد مجالًا للتجسيد والاستعمال في تفسير الظواهر.
كما أن العالم التجريبي في مراحل متقدمة من بحثه يستعمل الاستنتاج الرياضي في صياغة النتائج والتنبؤات،
ولذلك اعتبرت الرياضيات لغة العلوم، والمثل الأعلى الذي تقتدي به العلوم من حيث الدقة واليقين والتنظيم.
حل المشكلة:
نستنتج أن الرياضيات والعلوم التجريبية تختلفان في الموضوع والمنهج والنتائج:
فالرياضيات عقلية تجريدية يقينية نسقيًا، والعلوم التجريبية واقعية استقرائية ونتائجها نسبية قابلة للتطور.
غير أن هذا الاختلاف لا يمنع قيام علاقة تكامل وتداخل بينهما؛
إذ تستعين العلوم التجريبية بالرياضيات في القياس والصياغة والتنبؤ،
بينما تحتاج الرياضيات إلى الواقع والتطبيق لتأكيد فعاليتها وإغناء مفاهيمها.
وعليه فالعلاقة بينهما ليست تضادًا مطلقًا بل تكاملًا يخدم بناء المعرفة العلمية.