دافع عن الأطروحة القائلة: إن أصل المفاهيم الرياضية تجريبي (حسي)
الطريقة: استقصاء بالوضع
نص السؤال:
«إن المفاهيم الرياضية أصلها تجريبي» دافع عن هذه الأطروحة.
طرح المشكلة:
تختلف الرياضيات عن العلوم الحسية في كونها تستمد موضوعها من التصورات الذهنية لقضايا مجردة تتعلق بالمقادير الكمية،
في حين تقوم العلوم الأخرى على وصف الأشياء الواقعية الحسية الموجودة فعلا. وهذا يجعل الرياضيات لا تبحث في موضوعاتها
من حيث هي معطيات حسية، بل من حيث هي رموز مجردة مجالها التصور العقلي البحت.
وإذا كان مجال البحث الرياضي هو المفاهيم أو المعاني أو الرموز الرياضية، فكيف يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة
إن المعاني الرياضية أصلها التجربة الحسية؟ وما الأدلة والحجج التي تؤكد ذلك؟
محاولة حل المشكلة:
1) عرض منطق الأطروحة:
يذهب أنصار الاتجاه الحسي أو التجريبي إلى أن التفكير الرياضي كان مرتبطا بالواقع، وأن التجربة هي المصدر اليقيني
للمعرفة. فـ"جون لوك" يرى أن العقل يشبه الصفحة البيضاء، وأن التجربة هي التي تكتب معارفنا وأفكارنا عليه.
كما يؤكد "دافيد هيوم" أن الانطباعات المباشرة الآتية من العالم الخارجي هي نوافذ الأفكار ومعطيات العقل،
وأن من يفقد حاسة ما لا يستطيع أن يعرف ما يرتبط بانطباعاتها.
ويرى "جون ستيوارت مل" أن المعاني الرياضية ليست إلا نسخا جزئية للأشياء المعطاة في التجربة، ويقول:
إن النقاط والخطوط والدوائر التي يحملها الإنسان في ذهنه هي مجرد نسخ مما عرفه في التجربة.
2) تدعيم الأطروحة بحجج شخصية:
إن تاريخ العلوم يؤكد أن الرياضيات قبل أن تصبح علما عقليا قطعت مرحلة تجريبية؛ فالهندسة كفن عملي سبقت الحساب والجبر
لأنها أقرب إلى التجربة. وقد نشأت الهندسة عند قدماء المصريين لضبط مساحات الحقول بعد فيضان النيل وانسحابه،
فكانوا يرسمون الأشكال الهندسية لتحديد الحدود وتفادي النزاع.
كما أن الطفل والإنسان البدائي يتعلمان العد والحساب بالاعتماد على الأشياء الحسية (الأصابع، الحصى...)،
مما يدل على أن المفاهيم الرياضية في بدايتها تكون ملتصقة بالإدراك الحسي وكأنها صفة ملازمة للشيء المدرك.
3) نقد خصوم الأطروحة:
يرى المذهب العقلي أن المفاهيم الرياضية نابعة من العقل وموجودة فيه قبليا ومستقلة عن التجربة،
مثل مفاهيم الخط المستقيم واللانهاية والمكان الهندسي... باعتبارها معاني مجردة.
لكن رغم هذا التجريد، فإن الرياضيات ليست منفصلة تماما عن المعطيات الحسية؛ إذ يؤكد تاريخ العلوم أن الرياضيات
مرت بطور تجريبي قبل أن تتبلور في صورة علمية عقلية، خاصة في مجال الهندسة.
حل المشكلة:
نستنتج أن الرياضيات بمفاهيمها المختلفة وبكل ما تتمتع به من تجريد ليست مستقلة عن المعطيات الحسية.
فالواقع الحسي كان منطلق التفكير الرياضي، ثم قام العقل بعملية التجريد والتعميم وصياغة الرموز والقواعد.
وعليه يمكن الدفاع عن الأطروحة القائلة إن أصل المفاهيم الرياضية تجريبي (حسي) لأن جذورها الأولى ظهرت
في الممارسة الحسية والتطبيقات العملية قبل أن تتحول إلى نسق نظري مجرد.