مقال جدلي حول التجريب في البيولوجيا
الطريقة: جدلية
السؤال: هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية؟
المقدمة (طرح المشكلة):
يعود الفضل الكبير في النجاح الذي حققه الباحثون في مجال المادة الجامدة، وما وصلوا إليه من دقة وموضوعية،
إلى استعمالهم للمنهج التجريبي. وقد أغرى هذا التطور الباحثين في ميدان المادة الحية (البيولوجيا)
إلى محاولة تطبيق المنهج التجريبي على أبحاثهم بغية اللحاق بركب العلوم الدقيقة وتحقيق نجاح مماثل.
غير أن المادة الحية تتميز بخصائص معقدة تختلف عن المادة الجامدة، مما أثار جدلًا بين المفكرين:
فهناك من يرى أن خصائص الكائن الحي تحول دون إخضاعه للتجريب، وهناك من يرى أن هذه الخصائص لا تمنع دراسته علميًا.
ومن هنا نطرح الإشكال:
هل الدراسة العلمية في المادة الحية أمر متعذر ومستحيل؟ أم يمكن تجاوز العوائق وإخضاع الظاهرة الحية للتجريب؟
العرض (محاولة حل المشكلة):
1) عرض منطق الأطروحة: لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية
يرى أنصار هذا الموقف أن دراسة الكائن الحي تجريبيا أمر متعذر، لأن المادة الحية (إنسان/حيوان/نبات)
تتميز بخصائص تعقّد التجريب، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه: كوفيي، لوكانت دولوي، وبعض أنصار النزعة الأخلاقية.
وتتجلى حججهم فيما يلي:
- طبيعة الموضوع والوحدة العضوية: الكائن الحي وحدة متماسكة، كل جزء فيها تابع للكل،
وأي فصل لعضو أو جزء قد يغيّر طبيعة الظاهرة أو يؤدي إلى الموت. يقول كوفيي:
"إن سائر أعضاء الجسم مرتبطة فيما بينها... والرغبة في فصل جزء عن الكتلة معناه نقله إلى نظام الذوات الميتة".
- التغير والحركية: الكائن الحي يولد وينمو ويهرم ويموت ويتغير باستمرار،
ويؤدي وظائف لا توجد في الجماد (التغذية، التنفس، التكاثر). ويقول بيشا:
"الحياة هي جملة الوظائف التي تقاوم الموت".
- صعوبة التجريب والتعميم: إدخال الكائن الحي إلى المخبر يسبب اضطرابه ويشوّش النتائج،
كما أن تعميم النتائج على كل أفراد النوع صعب لأن لكل كائن خصوصيته،
فما يصدق على فأر المختبر قد لا يصدق على بقية الفئران في وسطها الطبيعي.
- صعوبة تصنيف الحوادث: ظواهر الأحياء ليست سهلة التصنيف مثل ظواهر الجماد،
لأن الكائنات تتفاوت وتتفرد. وقد أشار بعضهم إلى تجارب على الصدفات البحرية (أغاسي)
حيث يصعب إيجاد تماثل تام، ويؤكد لايبنتز: "لا يوجد فردان متشابهان".
- عوائق أخلاقية واجتماعية: بعض المجتمعات والأديان تعارض تشريح الجثث أو بعض التجارب
لما يرتبط بالكرامة الإنسانية أو الرفق بالحيوان، كما أثارت قضايا الاستنساخ جدلًا واسعًا.
وعليه يستنتج أنصار هذا الاتجاه أن المنهج التجريبي لا يطبق على المادة الحية تطبيقًا تامًا مثل المادة الجامدة.
نقد ومناقشة:
صحيح أن هذه العوائق أخّرت البحث البيولوجي وعرقلت بعض نتائجه، لكن العلماء لم يقفوا مكتوفي الأيدي،
بل طوّروا أدوات ووسائل مكنت من تجاوز كثير من الصعوبات (كزراعة الأعضاء وتطور أجهزة الفحص والملاحظة).
2) عرض نقيض الأطروحة: يمكن تطبيق المنهج التجريبي على المادة الحية
يرى أنصار هذا الاتجاه أن الدراسة التجريبية في البيولوجيا ممكنة، وقد نجح العلماء في تجاوز العوائق،
ومن ممثليه: كلود برنار، باستور. ومن حججهم:
- وحدة المادة من حيث العناصر: الجسم الحي والجسم الجامد يتكونان من عناصر كيميائية مشتركة
(الأكسجين، الكربون، الهيدروجين، الحديد...) مما يسمح بدراسة تفاعلاته وقوانينه.
- تطور الوسائل العلمية والتكنولوجية: تطورت أدوات الملاحظة والتجريب
(المجهر الإلكتروني، الإيكوغراف، الليزر...) وتطورت الكيمياء الحيوية،
فأصبح ممكنا إجراء تجارب على أعضاء أو أنسجة ضمن أوساط ملائمة دون إبطال وظائفها.
- نتائج عملية شاهدة: التقدم الطبي (زرع الأعضاء، الأطراف والأعضاء الاصطناعية)،
التحكم في كثير من الأمراض، وتقدم علم الوراثة وتصحيح بعض الاضطرابات الوراثية.
- نماذج تجريبية بارزة:
• كلود برنار أكد ضرورة اعتماد منهج العلوم الفيزيائية مع مراعاة خصوصية الحي، ويقول:
"على البيولوجيا أن تعتمد على منهج العلوم الفيزيائية مع الاحتفاظ بشروط المادة الحية وقوانينها".
وقد برهن عبر تجاربه على الأرانب أن الظواهر الحية تخضع لشروط يمكن ضبطها،
وانتهى إلى قانون عام حول تغذي الحيوان العاشب عند التجويع.
• باستور صحح فكرة النشوء العفوي، وأثبت دور الجراثيم، ونجح في تطوير التلقيح
بمقارنة مجموعات وتجارب تؤكد أثر اللقاح في الوقاية.
وعليه يستنتج هذا الاتجاه أن إخضاع الظاهرة الحية للتجريب ممكن مع تكييف المنهج حسب خصوصية الحي.
نقد ومناقشة:
لا شك أن البيولوجيا حققت تقدما هائلا، لكن تشبيه الكائن الحي بالآلة الميكانيكية شبيه بالمادة الجامدة
فيه مبالغة، إذ تبقى العضوية معقدة وتبقى بعض القضايا مستعصية إلى اليوم.
التركيب:
يتضح أن للمادة الحية عوائق حقيقية (الوحدة العضوية، التغير، صعوبة العزل والتعميم...)،
لكن هذه العوائق لا تنفي علمية البيولوجيا. فبتطور الوسائل والتخصصات (التشريح، وظائف الأعضاء، علم الوراثة...)
أمكن تكييف المنهج التجريبي بما يوافق خصائص الحي، وأصبحت البيولوجيا أكثر دقة وموضوعية
حتى صارت تنافس العلوم الفيزيائية في كثير من المجالات.
الخاتمة (حل المشكلة):
نستنتج أن المنهج التجريبي هو المقياس الأمثل لكل بحث يريد أن يكون علميا،
وقد أمكن تطبيقه في البيولوجيا لكن بشكل مكيّف يراعي خصوصية الظاهرة الحية.
لذلك فالتجريب في المادة الحية ليس مستحيلا، بل ممكن بحدود وشروط،
وقد شهد واقعنا المعاصر إنجازات كبيرة (التلقيح، التشخيص، زرع الأعضاء، تطور الوراثة...)
تؤكد تقدم العلوم البيولوجية. ويقال في هذا المعنى: "إن التجريب هو الوسيلة الوحيدة التي نملكها
لنتطلع على طبيعة الأشياء التي هي خارجة عنا".