الطريقة: المقارنة
المقدمة (طرح الإشكال):
يسلك العقل الإنساني عمليات فكرية مختلفة في البحث عن المعرفة وطلب الحقيقة، ومن أبرز هذه العمليات الاستدلال الصوري والاستدلال الاستقرائي. فالاستدلال الصوري (الاستنتاج) ينطلق من المبدأ إلى النتائج، أي البرهان على القضايا الجزئية بواسطة القضايا الكلية، سواء في الاستنتاج التحليلي أو الرياضي. أما الاستدلال الاستقرائي فينشأ من أمثلة جزئية لاستخلاص قضية عامة، أي بناء القواعد العامة من الأحكام الجزئية. ويتساءل العقل: ما علاقة كل منهما بالآخر في مساعدة الإنسان على بلوغ الحقيقة؟
محاولة حل المشكلة (التشابه، الاختلاف، التداخل):
أولًا: أوجه التشابه:
كلا الاستدلالين يسعيان إلى بلوغ الحقيقة، ويعتمدان على حركة فكرية هادفة للوصول إلى النتائج، وينتقلان من مقدمات إلى نتائج وفق أساليب عقلية محددة، مستندة إلى مبادئ العقل.
ثانيًا: أوجه الاختلاف:
الاستدلال الصوري ينطلق من أحكام كلية باتجاه أحكام جزئية، بينما الاستدلال الاستقرائي يبدأ من الجزئي باتجاه الكلي. كما أن نتائج الاستدلال الصوري تستمد يقينها من المقدمات العقلية، أما الاستقراء فيستمد يقينه من التجربة الحسية، ويستهدف الكشف عن الجديد والتنبؤ، بينما الاستنتاج يكتفي بالنتيجة المنطقية المترتبة على المقدمات. كما أوضح برتراند راسل: "يعرف الاستقراء بأنه سلوك فكري يسير من الخاص إلى العام، في حين أن الاستنتاج هو السلوك الفكري العكسي الذي يذهب من العام إلى الخاص".
ثالثًا: التداخل:
في الممارسة العملية، يصعب الفصل بين الاستدلال الصوري والاستقرائي، إذ غالبًا ما يتكاملان. فالاستدلال الاستقرائي يحتاج إلى استنباط منطقي لتفسير النتائج، بينما يستخدم الاستدلال الصوري في بناء الفروض واختبار الاتساق الداخلي. كما يوضح كارل بوبر وبرتراند راسل، فالمقدمات غالبًا ما تكون أحكامًا استقرائية، ويستعمل الاستدلال الصوري لاستنتاج النتائج النهائية، ما يظهر التداخل الكبير بين المنهجين.
الخاتمة (حل المشكلة):
إن العلاقة بين الاستدلال الصوري والاستقرائي هي علاقة تكاملية، لا يمكن الفصل بينهما، فالذهن ينتقل بينهما بحثًا عن المعرفة. ووفق الدكتور محمود قاسم: "التفرقة بين هذين الأسلوبين من التفكير مصطنعة"، ويضيف برتراند راسل: "يصعب الفصل بين الاستنتاج والاستقراء". وبالتالي، يقوم الفكر الاستدلالي على هذين الطريقين المتكاملين لبناء معرفة صحيحة.