هل انطباق الفكر مع الواقع يمنعه من أن ينطبق مع نفسه؟
الطريقة: المقارنة
المقدمة (طرح الإشكال):
يعتقد بعض الفلاسفة والمفكرين أنّ الوصول إلى الحقيقة لا يتمّ إلا عبر العقل وقوانين التفكير، أي عبر انسجام الأفكار داخل الذهن،
بينما يرى آخرون أنّ الحقيقة لا تُنال إلا من خلال مطابقة الفكر للواقع عن طريق الملاحظة والتجربة والمعاينة.
وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل نصل إلى الحقيقة بانطباق الفكر مع نفسه أم بانطباقه مع الواقع؟ وهل يمكن الجمع بينهما؟
محاولة حل المشكلة (عرض المواقف مع النقد والتركيب):
أولًا: الموقف الأول (الحقيقة = انطباق الفكر مع الواقع):
يرى أنصار هذا الاتجاه، ومنهم فرانسيس بيكون، أنّ معيار الحقيقة هو مطابقة الفكر للواقع؛ لأن الواقع هو مجال التحقق والاختبار.
لذلك اعتمدوا على المنهج التجريبي الاستقرائي الذي يقوم على:
- الملاحظة: مشاهدة الظواهر ورصدها.
- الفرضية: تفسير عقلي مؤقت يقدّمه الباحث لتفسير الظاهرة.
- التجربة: معيار صدق أو كذب الفرضية.
وبذلك ينتقل الاستقراء من ملاحظات جزئية إلى قوانين عامة، ويكون معيار الصدق هو عدم تناقض النتائج مع الوقائع.
نقد الموقف الأول:
يُؤخذ على هذا الموقف أنّه يبالغ في جعل الواقع وحده معيارًا للحقيقة؛ لأن الفكر لكي يطابق الواقع يجب ألّا يتناقض مع نفسه أولًا،
فانسجام الفكر مع ذاته شرط ضروري لسلامة الاستدلال قبل اختبار النتائج في الواقع.
ثانيًا: الموقف الثاني (الحقيقة = انطباق الفكر مع نفسه):
يرى أنصار هذا الاتجاه، وعلى رأسهم أرسطو، أنّ الحقيقة تُنال عبر انطباق الفكر مع نفسه؛ لأن المنطق الصوري يهتم بصحيح الفكر وفاسده،
ويضع القوانين التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ.
ومنه يتم الوصول إلى الحقيقة عبر القياس المنطقي (الاستنتاج)، أي استخراج نتيجة من مقدمات وفق منهج ينتقل من قضايا عامة إلى نتائج خاصة،
كما يستند إلى مبادئ التفكير الأساسية: مبدأ الهوية، عدم التناقض، والثالث المرفوع.
نقد الموقف الثاني:
يُعاب على المنطق الصوري أنّه يهتم بصورة الفكر دون مادته، فهو ثابت بينما الواقع متغير ومتجدد،
لذلك قد يصلح للجدل والبرهنة الشكلية أكثر مما يصلح وحده لاكتشاف حقائق العالم المتحوّل.
ثالثًا: التركيب (العلاقة تكاملية):
نستنتج أنّ الوصول إلى الحقيقة يتم بتكامل المعيارين معًا: انطباق الفكر مع نفسه وانطباقه مع الواقع.
فالاتساق الداخلي يضمن سلامة التفكير، بينما المطابقة مع الواقع تمنح المعرفة طابعها التحققي.
لذلك لا يمكن للفكر أن يطابق الواقع ما لم يكن أولًا منسجمًا مع ذاته.
الخاتمة (حل المشكلة):
وفي الأخير نقول إنّ انطباق الفكر مع الواقع لا يمنعه من أن ينطبق مع نفسه، بل العلاقة بينهما علاقة تكامل:
فالتطابق مع الذات شرط لصحة التفكير، والتطابق مع الواقع شرط لصدق المعرفة. وعليه فالحقيقة تتحقق حين يلتقي العقل مع التجربة.