هل يمكن الاستغناء عن الفرضية في المنهج التجريبي؟
الطريقة: الجدلية
طرح المشكلة:
من المتعارف عليه أنّ الاختراعات والاكتشافات العلمية التي عرفتها البشرية في العصر الحديث كانت سببًا في ظهور النهضة الصناعية والحضارية،
ويعود الفضل في ذلك إلى مطالبة بعض الفلاسفة بالتخلي عن البحث في أصل الوجود وعلة العلل وغيرها من الأفكار الميتافيزيقية،
والتحول نحو دراسة الظواهر الطبيعية التي تحيط بنا باستعمال المنهج التجريبي.
والمنهج التجريبي يتكون من خطوات منظمة، ومن أهمها الفرضية، وهي تلك الفكرة المسبقة التي توحي بها الملاحظة للعالم فتكون بمثابة خطوة تمهيدية لوضع القانون العلمي،
وبعبارة أخرى: هي فكرة مؤقتة يسترشد بها المجرب عند إقامته للتجربة.
ولعل هذا ما كان سببًا في بروز جدل فلسفي حول قيمة الفرضية باعتبارها فكرة عقلية؛
إذ نجد التجريبيين يعترضون عليها ويطالبون بضرورة الاستغناء عنها والاكتفاء بالملاحظة والتجربة،
في حين يصر العقلانيون على أهميتها ويؤكدون أن التجريب غير ممكن بدونها.
وبين هذا وذاك نطرح الإشكال التالي: هل يمكن إقامة تجارب عملية دون الحاجة إلى الفرضية؟
محاولة حل المشكلة:
الموقف الأول (العقلانيون: الفرضية ضرورية):
يذهب أنصار الاتجاه العقلي إلى أن الفرضية كفكرة تسبق التجربة أمر ضروري في البحث التجريبي.
ومن أهم المناصرين لها بوانكاري، والفيلسوف الفرنسي كلود برنار (1813 – 1878)،
حيث يعتقدون أنّه من المستحيل إقامة تجربة دون الاعتماد على الفرضيات التي تُعدّ العمود الفقري للمنهج التجريبي،
ولا جدوى للتجريب في غيابها، وهو ما يعبر عنه كلود برنار بقوله: "إن التجريب دون فكرة سابقة غير ممكن".
وتنطلق هذه الأطروحة من مسلمة مفادها: العقل أصل المعرفة، وبالتالي فهو يعطينا الفكرة التي ننطلق منها في التجربة.
كما يؤكد كلود برنار أن الانطلاقة الفعلية للتجارب لا تكون من الملاحظة وحدها لأن الملاحظة توجد عند جميع الناس،
وإنما تكون الانطلاقة عندما يتوصل العقل إلى الفرضية المناسبة.
ويقول كلود برنار: «الفكرة هي مبدأ كل برهنة وكل اختراع وإليها ترجع كل مبادرة»،
ويقول أيضًا: «ينبغي بالضرورة أن نقوم بالتجريب مع الفكرة المتكونة من قبل».
كما يرى أن المنهج التجريبي خطوات مترابطة: فالملاحظة تثير تساؤلات تؤدي إلى وضع الفرضية المناسبة،
ثم نتأكد من صحتها بواسطة التجربة، وإلغاء الفرضية يؤدي إلى خلل في هذا المنهج ويمنعه من تحقيق نتائج علمية.
ويقول كلود برنار: «إن الحادث يوحي بالفكرة، والفكرة تقود إلى التجربة وتحكمها، والتجربة تحكم بدورها على الفكرة».
وهذا ما يؤكده أيضًا هنري بوانكاري (1854-1912): «إن الملاحظة والتجربة لا تكفيان لإنشاء العلم فمن يقتصر عليهما يجهل صف العلم الأساسية»،
كما يصرح: «ذلك لأن الملاحظة الخالصة والتجربة الساذجة لا تكفيان لبناء العلم».
ويقدم كلود برنار مثالًا عن العالم التجريبي فرانسوا هوبير: فعلى الرغم من أنه كان أعمى، إلا أنه ترك تجارب رائعة كان يتصورها ثم يطلب من خادمه أن يجربها،
ولم تكن عند الخادم أي فكرة علمية، فكان هوبير هو العقل الموجه الذي يقيم التجربة، بينما يمثل الخادم الحواس السلبية التي تنفذ فقط.
وبذلك يتضح أنّه لا يمكن تصور تفسير الظواهر دون أفكار مسبقة نتحقق من صحتها أو خطئها بعد القيام بالتجربة.
نقد الموقف الأول:
صحيح أن الفرضية ضرورية للتجريب ولا غنى عنها، ولكن كثيرًا ما تكون الفرضيات غيبية لا تتلاءم مع الروح العلمية.
الموقف الثاني (التجريبيون: الاستغناء عن الفرضية):
في الجهة المقابلة نجد أنصار الفلسفة التجريبية الذين يرون أن الحقيقة موجودة في الطبيعة،
وأن الوصول إليها لا يأتي إلا عن طريق الحواس، وأن الذهن غير قادر وحده على أن يقودنا إلى حقيقة علمية؛
وبالتالي يجب الاستغناء عن الفرضية لأنها تُعدّ عائقًا في وجه التجربة العلمية.
فالفرضيات في نظرهم جزء من التخمينات العقلية، لذلك يحاربونها بشدة.
وعلى رأس هؤلاء الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل (1806 – 1873) الذي يقول:
«إن الفرضية قفزة في المجهول وطريق نحو التخمين، ولهذا يجب علينا أن نتجاوز هذا العائق وننتقل مباشرة من الملاحظة إلى التجربة».
وينطلقون من مسلمة: العقل يولد صفحة بيضاء ويستحيل عليه أن يعطينا أفكارًا قابلة للتجربة.
كما يحتجون بأن الفرضية تبعد المسار العلمي عن دقته لاعتمادها على الخيال والتخمين المعرض للشك في النتائج.
وهذا ما دفع نيوتن إلى القول: «أنا لا أصطنع الفروض».
كما نجد ماجندي يرد على تلميذه كلود برنار بقوله: «اترك عباءتك وخيالك عند باب المخبر»،
إذ يؤكد أن الفرضية تقيد الملاحظة وتجعل العالم أسير أوهامه، مما ينعكس سلبًا على التجربة ويحول دون إدراك الحقيقة العلمية.
ويقول أيضًا: "إن الملاحظة الجيدة تغنينا عن سائر الفروض".
وقد استبدل ميل الفرضية بمجموعة قواعد سماها قواعد الاستقراء:
(قاعدة الاتفاق أو التلازم في الحضور – قاعدة الاختلاف أو التلازم في الغياب – قاعدة التلازم في التغير أو التغير النسبي – قاعدة البواقي)
ويرى أنها تغني البحث العلمي عن الفروض.
نقد الموقف الثاني:
صحيح أن الفروض قد تخرج عن الإطار وتعيق التجريب، لكن النزعة التجريبية قبلت المنهج الاستقرائي وقواعده،
وتناست أن هذه القواعد نفسها من صنع العقل مثلها مثل الفرض؛ أليس من التناقض أن نرفض هذا ونقبل بذاك؟
التركيب:
من الرأيين السابقين ندرك أن الفرضية شرط ضروري للتجريب ويستحيل الاستغناء عنها،
لكن ينبغي أن تكون نابعة من الروح العلمية بعيدة عن الغيبيات.
وقد أحدثت فلسفة العلوم (الإبستمولوجيا) تحسينات على الفرضية، ومنها أنها وضعت لها ثلاثة شروط:
- أن يكون الفرض منبثقًا من الملاحظة.
- ألا يناقض الفرض ظواهر مؤكدة تثبت صحتها.
- أن يكون الفرض كفيلًا بتفسير جميع الحوادث المشاهدة.
كما يرى عبد الرحمن بدوي (1917 – 2002) أننا لا نستطيع الاعتماد على العوامل الخارجية وحدها لتنشئة الفرضية لأنها «مجرد فرص ومناسبات لوضع الفرض»،
والعوامل الخارجية مشتركة بين الجميع، ولو كان الفرض مرهونًا بها لصار جميع الناس علماء، وهذا لا يثبته الواقع؛
فالتفاحة التي شاهدها نيوتن شاهدها غيره كثيرون، لكن لا أحد توصل إلى قانون الجاذبية.
ولذلك يركز بدوي على العوامل الباطنية: «أي على الأفكار التي تثيرها الظواهر الخارجية في نفس المشاهد».
كما أن كثيرًا من الاكتشافات كان للفرض فيها دور حاسم؛ مثل لويس باستور الذي افترض أن الهواء يحتوي على جراثيم تسبب التعفن رغم أنه لم يتمكن من ملاحظتها مباشرة.
وكمساهمة: نعتقد أن الفرض من أكثر المساعي العلمية فعالية، بل هو المسعى الأساسي الذي يعطي المعرفة العلمية خصبها،
لأن الفرض الذي لا تثبت صحته قد يوجه الذهن إلى طريق آخر ويساهم في إنشاء فرض جديد؛ فالفكرة منبع للإبداع لا تنتبه له الملاحظة وحدها دون الفرض العلمي.
حل المشكلة:
نستنتج في الأخير أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار دور الفرضية أو استبعاد آثارها من مجال التفكير عامة،
لأنها من جهة أمر عفوي يندفع إليه العقل الإنساني بطبيعته، ومن جهة أخرى ترتبط بعبقرية العالم وشعوره الخالص.
وقد تنبه الحسن بن الهيثم (965 – 1039) قبل كلود برنار في مطلع القرن الحادي عشر إلى ضرورة الفرضية بقوله:
«إني لأصل إلى الحق من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية وصورتها الأمور العقلية».
ومعنى هذا أنه لكي ننتقل من المحسوس إلى المعقول لا بد أن ننطلق من ظواهر تقوم عليها الفروض،
ثم نصل إلى القوانين التي هي صورة الظواهر الحسية، وبذلك يتأكد لنا في النهاية أن الفرضية عنصر أساسي في بناء المعرفة العلمية.