مقالة جدلية حول مشكلة الحتمية
الطريقة: الجدلية
أستاذ الفلسفة: محفوظ مراد
منقول عن الأستاذ بلعربي.
نص السؤال:
هل الحتمية مبدأ مطلق؟ هل يمكن إخضاع المادة الجامدة لقانون ثابت (الحتمية)؟ هل ظواهر الطبيعة تخضع للحتمية خضوعًا تامًا؟
المقدمة (طرح المشكلة):
إن العلم في بحثه عن الاكتمال وفي سعيه إلى ضبط الظواهر ضبطًا دقيقًا، حاول اعتماد التجربة بالمعنى الأوسع، خاصة وأن التجربة أصبحت تُعد منطلقًا عند الكثير من الدارسين من أجل منح المعارف صفة العلمية، انطلاقًا من إيمانهم أن الكون خاضع لنظام ثابت يتيح فرصة التنبؤ بالمعنى الدقيق؛ أي أن النتائج المقيدة بتجربة معينة تبقى حتمًا على حالها في حالة تكرار نفس الشروط والظروف.
لكن إذا كانت الأبحاث العلمية في القرن التاسع عشر قد حصرت الطبيعة في قانون ثابت (الحتمية)، فإن الدراسات المعاصرة حطمت هذا الاعتقاد وأصبحت تتعامل من منظور الاحتمال. فقد اقتنع الكثير من الدارسين أنه من المستحيل التنبؤ بالمعنى الدقيق على مستوى الظواهر المتناهية في الصغر، وهو الأمر الذي شكّل محور تعارض بين الفلاسفة والمفكرين والعلماء بين من يرى أن الحتمية مبدأ مطلق تخضع له كل ظواهر الطبيعة، ومن يرى بأن الحتمية مبدأ نسبي لا تخضع له كل ظواهر الطبيعة.
وأمام هذا التعارض والجدال فإن الإشكال الذي يمكننا طرحه هو: هل يمكن اعتبار الحتمية مبدأ مطلقًا؟ أم أن العلم يخضع لفكرة اللاحتمية؟ وهل يمكن إخضاع المادة الجامدة لقانون ثابت (الحتمية)؟
العرض (محاولة حل المشكلة):
1) عرض منطق الأطروحة: "إن ظواهر الطبيعة تخضع لمبدأ الحتمية خضوعًا مطلقًا"
إن جميع ظواهر الطبيعة خاضعة لنظام ومبدأ ثابت لا يقبل الشك أو الاحتمال أو الصدفة. وهذا المبدأ هو مبدأ الحتمية الذي يعني: "أن توفر مجموعة من الشروط ضمن مجموعة من الظروف يؤدي إلى نتائج معينة، وتكرار نفس الشروط ضمن نفس الظروف سوف يؤدي إلى نفس النتائج حتمًا مما يتيح فرصة التنبؤ بحدوث الظواهر قبل وقوعها".
ويتبنى هذا الموقف: بوانكاري، لابلاس، نيوتن، غوبلو… وأسسوا موقفهم على حجج منها:
- إن نظام الكون مماثل للساعة في الدقة والآلية، فإذا تمكن الباحث من معرفة موقع الجسم وسرعته وطبيعة حركته صار قادرًا على ضبطه ضبطًا دقيقًا.
- التجربة أكدت أنه لا مجال للشك في النتيجة القائلة إن الماء يتبخر عند الدرجة مئة أو يتجمد عند الدرجة الصفر، لأن بداهة العقل وحتمية الواقع فرضت هذا الصدق.
- الأرصاد الجوية تستند إلى جملة من الظروف والشروط، وحتى الزلازل والبراكين مرتبطة بقوانين ثابتة، وهذا ما يفسر تنبؤ العلماء بحدوثها في الزمان والمكان (مثال: زلزال كاليفورنيا).
كما أكد هنري بوانكاري أن الحتمية من المبادئ البديهية التي لا يمكن للعلم أن يستغني عنها لأنها شرط لوجوده، حيث يقول: "العلم حتمي وذلك بالبداهة، إذ لولاها لما أمكن للعلم أن يكون"، و"العالم الذي لا تسوده الحتمية هو موصد في وجه العلماء".
ونفس الطرح نجده عند كلود برنارد الذي أكد أن تقبل أية ظاهرة خارج نطاق الحتمية يعد إنكارًا للعلم.
كما أكد لابلاس أن الظواهر الطبيعية خاضعة لنظام ثابت، فالحوادث لا تحدث عبثًا بل لها شروط محددة، إذا توفرت تحققت النتائج حتمًا، وهي متشابهة في البنية والتركيب مهما اختلف الزمان والمكان. وفي ذلك يقول: "الكون هو آلة كبيرة يمكن التنبؤ فيه بكل ما سوف يحدث مستقبلًا"، ويضيف: "ينبغي أن نعتبر الحالة الراهنة للكون نتيجة لحالته السابقة وسببًا في حالته اللاحقة… ولو استطاع ذكاء ما أن يعلم في لحظة معينة جميع القوى التي تحرك الطبيعة… لأصبح المستقبل ماثلًا أمامه".
كما نجد عند غوبلو قوله: "العالم متسق تجري حوادثه على نظام ثابت"، وهذا يعني أن كل الظواهر الطبيعية سواء في العالم الأكبر (الماكروفيزياء) أو العالم الأصغر (الميكروفيزياء) تخضع لمبدأ الحتمية لأنها مقيدة بفكرة السببية (لكل ظاهرة علة).
ومنه نستنتج جزئيًا أن الحتمية مبدأ مطلق يحكم الظواهر الفيزيائية وفرض أساسي في العلم.
نقد الأطروحة:
على الرغم من أهمية طرح هؤلاء إلا أنه لا يمكن التسليم به على إطلاقه، لأن الضبط الدقيق للظواهر يفترض بلوغ الملاحظة قمة اليقين وهذا مستحيل دائمًا، كما أن فيزياء القرن العشرين عند تعاملها مع الظواهر المتناهية في الصغر أدت إلى الاقتناع بفكرة الاحتمال (أزمة الحتمية). فما يصدق على العالم الأكبر لا يصدق بالضرورة على العالم الأصغر.
2) عرض نقيض الأطروحة: "مبدأ الحتمية ليس مطلقًا ولا يحكم جميع الظواهر الطبيعية"
إن الحتمية مبدأ نسبي لا يحكم جميع ظواهر الكون. فقد توصل علماء الفيزياء في القرن العشرين إثر دراستهم للظواهر الميكروفيزيائية إلى مسلمة مفادها أنه يصعب ـ بل يستحيل ـ التنبؤ بالمعنى الدقيق؛ فقد تتوفر نفس الأسباب ونفس الظروف لكن احتمال حدوث نفس النتائج يبقى نسبيًا.
ويتبنى هذا الموقف كل من: ديموقريطس، ماكس بلانك، هيزنبرغ… ومن حججهم:
- ظهرت اللاحتمية كفكرة فلسفية مع ديموقريطس، ثم أصبحت حقيقة علمية مع ماكس بلانك الذي قال: "قبل كل شيء علينا أن نعترف أنه ليس من الضروري أن يخضع الكون إلى قوانين فيزيائية ثابتة…".
- أكد إدجنتون أن تقدم العلم جعل الدفاع عن الحتمية المطلقة مستحيلًا، وأن التنبؤ لا يكون إلا على هيئة حساب الاحتمالات، وهو ما أكده أيضًا ديراك.
- توصل هيزنبرغ إلى استحالة قياس موقع الجسيم وكمية حركته معًا قياسًا دقيقًا داخل الذرة (مبدأ اللاتعيين)، مما يجعل التنبؤ الدقيق مستحيلًا: "كلما دق قياس الموقع تغيرت كمية الحركة…".
- ويؤكد لويس دو بروي أنه كلما أردنا ضبط الحالة الراهنة بدقة أكبر خسرنا بعض المعطيات الضرورية للتنبؤ.
- ويشير جون كميني إلى أن كثيرًا مما يسمى قوانين علمية إما صحيح بشكل تقريبي أو يخطئ في كثير من الأحيان، ومع تطور بحوث الذرة والنشاط الإشعاعي ترسخت فكرة اللاحتمية.
نقد نقيض الأطروحة:
إن رفض الحتمية قد يؤدي إلى الوقوع في الصدفة التي تعد تبريرًا للجهل، كما أن عدم القدرة على دراسة الإلكترون بدقة لا يعد سببًا كافيًا لرفض الحتمية، إذ قد يرجع ذلك إلى حدود الأجهزة أو صعوبة القياس أو طبيعة الظواهر نفسها، وليس إلى سقوط مبدأ العقل والعلم.
3) التركيب:
يتبين لنا أنه يمكن اعتماد الحتمية كمبدأ أقرب إلى الإطلاق على مستوى الظواهر الماكروفيزيائية، ويمكن الإيمان بفكرة الاحتمال والنسبية على مستوى الظواهر الميكروفيزيائية.
فإذا نظرنا إلى العالم الأكبر لمسنا الحتمية بوضوح، أما إذا نظرنا إلى بحوث الذرة فلن نجد إلا الاحتمال.
وقد عبّر أنصار الحتمية المعتدلة عن هذا التوفيق بكون الحتمية مبدأ نسبي لكنه يبقى قاعدة أساسية للعلم.
وفي هذا السياق قال لانجفان: "إن نظريات الذرة في الفيزياء الحديثة لا تهدم مبدأ الحتمية، وإنما تهدم فكرة القوانين الصارمة الأكيدة أي تهدم المذهب التقليدي".
الخاتمة (حل الإشكالية):
بعد التحليل نستنتج أن أنصار الحتمية المطلقة وأنصار اللاحتمية يهدفون جميعًا إلى تحقيق نتائج علمية، كما أن المبدأين يعكسان روح الثورة العلمية المعاصرة.
فالحتمية المطلقة تؤكد الصرامة وتغلق الباب أمام الشك والتأويل لأنها مضرة بالعلم، بينما الحتمية النسبية تحث على الحذر والابتعاد عن الثقة المفرطة في ثبات القوانين.
لكن من حيث المبدأ العام يبقى كل نشاط علمي سعيًا نحو الحتمية؛ إذ يرى غاستون باشلار أن مبدأ اللاتعيين في الفيزياء المجهرية ليس نفيًا للحتمية، بل هو نقد للصورة التقليدية الصارمة لها.
وعليه ينبغي أن يبقى مبدأ الحتمية قائمًا في العقلية العلمية، حتى وإن كانت بعض النتائج المتحصل عليها تخضع أحيانًا لحساب الاحتمالات.