الشعور بالأنا والشعور بالغير: هل حقيقة الأنا تتوقف على وعي الذات أم على معرفة الغير؟
الطريقة: الجدلية
نص السؤال:
هل حقيقة الأنا الذاتي تتوقف على وعي الذات لذاتها أم على معرفة الغير ؟
المقدمة (طرح المشكلة):
إن التعايش الاجتماعي بين الناس ضرورة، لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع أن يعيش معزولا عن محيطه،
وهو في تفاعله مع الآخرين يؤثر ويتأثر، ويبحث عن إثبات ذاته وتميزها عن الغير.
لذلك اهتم الفلاسفة بمسألة معرفة الذات: هل تتحقق حقيقة الأنا عبر وعي الذات بذاتها وشعورها الداخلي،
أم أن الأنا لا تتحدد إلا عبر الغير وبفعل الاعتراف والمواجهة والمغايرة؟
ومن هنا يتحدد الإشكال: هل يتوقف الشعور بالأنا على وعي الذات لذاتها أم على معرفة الغير؟
العرض (محاولة حل المشكلة):
1) الأطروحة الأولى: حقيقة الأنا تتوقف على وعي الذات لذاتها
يرى أنصار هذا الموقف أن الأنا تتحدد أساسا من الداخل، أي بواسطة الوعي والشعور بما يجري في الذات من أفكار وانفعالات
وأفعال، فالوعي خاصية جوهرية تجعل الذات حاضرة لنفسها ومؤسسة لهويتها.
ومن حججهم:
- يؤكد ديكارت أن اليقين الأول هو يقين الذات بذاتها، ويعبر عن ذلك بقوله: "أنا أفكر إذن أنا موجود"،
فالتفكير دليل على وجود الذات وعلى وعيها بذاتها.
- ويرى مان دوبيران أن الشعور بالذات سابق على كل شعور بالشيء، أي أن الذات تعي نفسها قبل أن تعي العالم والآخرين.
- كما يؤكد سارتر أن الشعور لا يمكن إلا أن يكون واعيا بذاته، وأن الأنا تملك مشاريعها وتختار أفعالها بحرية،
لذلك لا ينبغي أن تتوقف معرفة الذات على الغير، بل يكفي حضورها لذاتها.
نقد الأطروحة الأولى:
رغم وجاهة هذا الموقف إلا أن الاعتماد على الوعي وحده لا يخلو من قصور:
- قد يخدعنا الشعور ويوهمنا، فنظن أنفسنا أحرارا بينما نحن محكومون بقيود نفسية واجتماعية لا ننتبه إليها.
- ثم إن الإنسان قد تصدر عنه سلوكات لا يعي دوافعها، مما يدل على أن الوعي ليس شفافا ولا كافيا لمعرفة الذات.
- ولهذا يؤكد فرويد أن الحياة النفسية تقوم أساسا على اللاشعور، وأن كثيرا من دوافع الأنا ورغباتها خفية،
وبالتالي لا يمكن رد معرفة الذات إلى الوعي وحده.
2) الأطروحة الثانية: حقيقة الأنا تتوقف على معرفة الغير
يرى أنصار هذا الاتجاه أن الأنا لا تتضح حقيقتها إلا عبر الغير، لأن الذات لا تكتشف نفسها كـ"أنا"
إلا حين تواجه "آخر" يختلف عنها ويعارضها ويعترف بها.
فوجود الغير شرط لوجود الوعي بالذات، إذ لا معنى للحديث عن الأنا خارج العلاقة.
ومن حججهم:
- يذهب هيغل إلى أن الوعي بالذات لا يتحقق إلا داخل علاقة مع الغير تقوم على الصراع والمخاطرة وطلب الاعتراف،
فمن خلال مواجهة الآخر تكتشف الذات حدودها وقيمتها وتعي ذاتها.
- كما أن معرفة الذات تتقوى عبر المغايرة: فحين أرى نفسي في نظر الآخرين، وأقارن وأختلف وأتفاعل،
تتشكل شخصيتي وتتحدد صورتي عن ذاتي.
- ويؤكد محمد عزيز لحبابي معنى البعد الاجتماعي للذات بقوله إن "الأنا جزء من النحن في العالم"،
أي أن الذات لا تنفصل عن الجماعة.
- ويرى ماكس شيلر أن علاقتنا بالغير لا تقوم فقط على الصراع بل أيضا على التعاطف،
ومن خلاله نفهم الآخر ونفهم أنفسنا داخل شبكة العلاقات الإنسانية.
نقد الأطروحة الثانية:
غير أن جعل الغير أساسا وحيدا لمعرفة الذات يواجه بدوره اعتراضات:
- قد يكون الغير عائقا بدل أن يكون محفزا، إذ قد يفرض أحكاما وصورا نمطية تحجب الذات عن حقيقتها.
- كما أن الذات تملك مجالا خاصا وحميميا لا يطلع عليه الآخرون، ولذلك لا يمكن اختزال الأنا في مجرد نظرة الغير.
- ثم إن العلاقة مع الغير قد تتحول إلى ضغط وصراع، وقد عبر سارتر عن هذا التوتر بقوله: "الآخرون هم الجحيم".
3) التركيب:
يتبين من عرض الموقفين أن كلا منهما يبرز جانبا حقيقيا:
فالوعي الداخلي شرط أولي لتمييز الذات وحضورها لنفسها، لكنه ليس كافيا وحده،
كما أن الغير ضروري لتحديد الأنا عبر الاعتراف والتفاعل، لكنه ليس أساسا مطلقا.
لذلك يمكن القول إن حقيقة الأنا تتأسس في علاقة مزدوجة:
وعي الذات بذاتها من جهة، وتحققها داخل علاقة إنسانية مع الغير من جهة أخرى،
بحيث لا تكون فردية منغلقة ولا ذوبانا في الجماعة، بل توازنا بين الانفراد والتواصل.
الخاتمة (حل المشكلة):
ختاما نستنتج أن حقيقة الأنا لا تتوقف على عنصر واحد فقط،
بل تقوم على جدلية الوعي بالذات والعلاقة بالغير:
فالذات تحتاج إلى الشعور الداخلي لتثبت وجودها وتميزها، كما تحتاج إلى الغير للاعتراف والتحديد والتقويم.
ولذلك يمكن قلب مقولة "اعرف نفسك بنفسك" إلى معنى أوسع: اعرف نفسك بذاتك وبالآخرين معا،
داخل علاقة احترام وتواصل وتبادل.