درس الشعور واللاشعور

الشعور واللاشعور في الحياة النفسية

مقدمة:
يحدث أن تخاطب إنسانا ولا يتجاوب معك، وتقرأ ولا تفهم ما تقرأ، وفي كلا الحالتين يكون الذهن قد شرد وغاب الوعي والشعور، وبالتالي فإن تعاملنا مع المحيط يتطلب حضور الشعور. فماذا نعني به؟ وما هي طبيعته؟



I ـ الشعور

1) مفهوم الشعور:
الشعور بالشيء هو إدراكه والعلم به على سبيل الفطنة لا على سبيل الاستدلال، ويرادفه الحدس؛ فهو حدس الذات لأفعالها وأحوالها. فأنا أكتب وأدرك أنني أكتب، وأفكر وأدرك ذلك، كما أعلم إن كنت حزينا أو مسرورا. إلا أن هذا الحدس يكون متراوحا بين الشدة والضعف وبين الوضوح والإبهام، فهو نشاط نفسي يتميز بوعينا بما نقوم به من أفعال.

يعرفه موريس برادين (1874 ـ 1958) بقوله: "يعتبر الانتباه بصفة خاصة جهدا نفسيا غايته تركيز أفكارنا نحو هدف عقلي أو إدراكي". ويعرفه لالاند: "الشعور على وجه التقريب كما يلي: هو حدس العقل التام الواضح لأحواله وأفعاله".

2) وظيفة الشعور:
يحدد نوع المنبهات الخارجية والداخلية التي نتعامل معها، ونحتاج إليه لتنسيق وضبط الأداء، وبه نحدد الأولويات التي نقوم بها، ويمكننا من الأداء الذكي.

3) مستويات الشعور:
هل يكون الشعور دائما على درجة واحدة من الانتباه والتركيز؟ أليست له درجات ومستويات تتراوح بين القوة والضعف؟ إن الاهتمام بالدرس لا يمنعك أحيانا من سماع بعض الأصوات في الخارج، فهل يكون الشعور في نفس المستوى بين الدرس والأصوات الخارجية؟ لا، إن الشعور متفاوت، وهذه مستوياته:

أ) الشعور التلقائي (العفوي):
ويحدث بشكل عفوي فنطلع على أحوالنا وأفعالنا النفسية، أو نتعرف على ما تنقله لنا الحواس، دون بذل أي مجهود فكري.

ب) الشعور التأملي:
التأمل هو النظر المركز الطويل نسبيا حول موضوع واحد، أو حالة نفسية عن طريق الاستبطان، عندما تنعكس الذات على نفسها مصحوبة بالانتباه واليقظة والتركيز.

ج) الشعور الهامشي:
هو مجال الحياة النفسية التي ليست موضوعا للشعور التأملي والتي سبق أن كانت موضوعا له، ويمكن أن تعود إذا توجه الانتباه إليها بشكل إرادي، أو تفرض نفسها حسب توفر العوامل التي تساعدها على الطفو على ساحة الشعور، مثل شدة المنبه وتكراره وتغيره المفاجئ وحركته.

4) خصائص الشعور:
1 ـ متغير: أي لا يثبت على حال، يقول باسكال بليز (1623 ـ 1662): "الزمن يشفي من الآلام والمنازعات والضغائن لأن الإنسان يتغير ويتبدل من حال إلى حال فلا الجارح ولا المجروح بباقيين على حالتهما الأولى". وفي نفس المعنى يقول وليام جيمس (1842 ـ 1910): "فنحن على الدوام ننتقل من إحساس بصري إلى إحساس سمعي ... ومن استدلال إلى بث ومن تذكر إلى رجاء ومن الحب إلى البغض ... وباختصار فإن شعورنا يتخذ عدة أشكال متعاقبة".

2 ـ متصل: تغير الحالات الشعورية لا يعني وجود فراغات تفصل بين الحالات المختلفة بل هو متصل رغم النوم وحالة الغيبوبة، فالشعور يستأنف مجراه ويندمج. فهو عند وليام جيمس متصل بشكل محسوس، ويعبر برغسون عن الاتصال في الشعور بالديمومة، ويعني بها اتصال الأحوال الشعورية واندماج اللاحق منها بالسابق أثناء جريانها.

3 ـ انتقائي: انتقال الوعي من موضوع إلى آخر لا يعتمد على عنصر المفاجأة، بل هو عملية قصدية انتقائية حسب الاهتمام. يقول وليام جيمس: "إن الشعور يهتم اهتماما غير متساوي الدرجات بمختلف عناصر مضمونه فيقبل البعض ويرفض البعض الآخر. فالتفكير هو القيام باصطفاءات".

4 ـ كيفي: الأحوال النفسية التي تشعر بها غير قابلة للتقدير الكمي، وإنما توصف فقط من حيث الشدة والضعف والوضوح والغموض.

5 ـ ذاتي: الشخص هو المؤهل لمعرفة أحواله النفسية، ومحاولة معرفة ذلك عند الغير لا يعدو مجرد تخمين، وهذا ما يفسر اختلاف ردود الأفعال بين الأشخاص حول مثير معين.

5) النظرية التقليدية في الشعور:
يرى مين دي بيران أن الشعور يستند إلى التمييز بين الذات الشاعرة والموضوع المشعور به، وهو شرط مشترك وضروري لكل ما سواه من الفعاليات الذهنية. وهذا ما نجده عند ديكارت (1596 ـ 1650) حيث يرى أن كل ما هو نفسي هو شعوري.

إن التسليم بثنائية الجسم والنفس يقود إلى التسليم بأن النفس تعي جميع أحوالها، وأن الشعور والحياة النفسية مفهومان متكافئان، وأنه لا يوجد خارج الحياة النفسية إلا الحياة العضوية (الفيزيولوجية). فالنفس لا تنقطع عن التفكير إلا إذا تلاشى وجودها.

ويُنظر إلى الشعور باعتباره معرفة أولية مباشرة لا واسطة بينها وبين الحوادث النفسية، فإذا شعرت بحالة ما كان شعوري بها كما هي لا كما تصورها لي الحواس. ويرى ديكارت أنه من التناقض القول بأن النفس تشعر بما لا تشعر.

ونجد رأيا مشابها عند بيار جاني (1859 ـ 1947) الذي يرى الشعور مجموعة من الإرجاع وردود الأفعال التي يقوم بها الشخص تجاه أفعاله لتنظيمها ومراقبتها. وهو عند سارتر (1905 ـ 1980) شعور بشيء دائما، بمعنى أن الشعور موجود لكنه مرتبط في وجوده بالموضوع المشعور به.

إلا أن ابن سينا يرى إمكانية وجود الشعور بشكل مستقل حتى عن الجسم، ويقول: "إذا تجرد الإنسان عن تفكيره في كل شيء من المحسوسات أو المعقولات حتى عن شعوره ببدنه فلا يمكن أن يتجرد عن تفكيره في أنه موجود وأنه يستطيع أن يفكر".

6) موقف النظرية المادية:
تكشف التجربة النفسية أننا نعيش حالات كثيرة دون أن نعرف لها سببا، وعدم وعي السبب لا يعني عدم وجوده. لذلك رفض التجريبيون النظرة التقليدية للشعور، لأن الشعور عندهم لا يزيد عن كونه انطباعات حسية، والدليل أن زوال الانطباع الحسي يؤدي إلى زوال الشعور. يرى مودسلي أن الشعور قد يشهد الحادثة النفسية لكنه لا يحدثها.

كما اعترضت المدرسة السلوكية بزعامة واطسون (1878 ـ 1958) على النظرية التقليدية، فالشعور عندهم خرافة ميتافيزيقية تماشيا مع المذهب المادي. ويرى بيار نافيل أن إنكار الشعور يعود إلى عدم إمكانية ملاحظته: "حل الشعور والأحوال الشعورية محل النفس، لكنها كانت تفلت من الملاحظة مثل النفس".

وتدعمت هذه الفكرة بأبحاث ريبو (1839 ـ 1916) الذي جعل كل أحوال النفس تابعة للدماغ، فالشعور عنده مجرد انعكاس للنشاط الكهربائي في الدماغ عند قيامه بوظيفة عقلية.

لكن يُؤخذ على هذا الموقف أنه لا يقدم تفسيرا مقنعا لعملية تخدير المريض أثناء العملية الجراحية، إذ الغاية منها جعل المريض يفقد الوعي (الشعور) لا فقدانه للجملة العصبية، مما يؤكد حضور مفهوم الشعور.



II ـ اكتشاف اللاشعور

ماذا عن اللاشعور بوصفه مجالا أعمق لا يدركه الوعي ولكنه يؤثر على السلوك؟

1) وجود اللاشعور:
اللاشعور في لغة التحليل النفسي هو جملة الفعاليات التي تؤثر في السلوك دون أن تبلغ ساحة الشعور، ولا تصير شعورية إلا عند ضعف المقاومة في الأحلام أو في حالات العصاب أو أثناء العلاج النفساني. ويتمثل أيضا في الأفعال التي نقوم بها بشكل آلي دون تدخل الانتباه الواعي.

انتبه فلاسفة القرن السابع عشر لهذه الفكرة، ومنهم ليبنتز (1646 ـ 1716) الذي قدم دليل "الإدراكات الصغيرة": نسمع أصوات الأمواج وهي تتكسر على الصخور، وكل موجة تتكون من موجات صغيرة لا نسمعها منفردة لصغرها، لكنها موجودة لأن مجموعها يحدث الصوت المسموع. وفي هذا يقول تين: "إن إدراك الآلاف من الاهتزازات الصوتية مثلا ينحل إلى إدراكات بسيطة لا تقع وهي منحلة تحت محك الشعور...".

غير أن الإثبات الأكثر حضورا لوجود اللاشعور جاء مع أبحاث أطباء الأعصاب حول مرض الهيستيريا، وهو مرض عصبي يتجلى في شكل هيجان وأحيانا الشلل والقابلية للإيحاء. كان تفسيره الشائع اضطرابات تحدث على مستوى المخ، ثم تبين أن الأسباب ليست عضوية.

استُعمل في العلاج التنويم المغناطيسي عند بيرنهايم (1837 ـ 1919)، وهو جملة الوسائل لإحداث النوم بصورة غير طبيعية من أجل العلاج، ويرجع اكتشافه إلى مسمر (1734 ـ 1815) وتطورت طريقته على يد شاركو (1825 ـ 1893)، لكن النتائج لم تكن مشجعة إذ يعود المرض، كما أن بعض المصابين لا يستجيبون للتنويم.

2) ظهور التحليل النفسي:
جاء عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد (1856 ـ 1939) واستبدل التنويم المغناطيسي بالتحليل النفسي، وتقوم طريقته على التداعي الحر، حيث يهيئ المحلل الجو الملائم ويستجوب المريض ويلح في أسئلته ويطلب منه ألا يخفي أي فكرة، وإذا توقف فذلك دليل مقاومة الكبت.

كما يعتمد فرويد على تفسير الأحلام وفلتات اللسان، ويرى أن المكبوتات تتحايل للخروج في صور مثل: النكوص، الإسقاط، التقمص، التبرير. ويتمحور التحليل النفسي عند فرويد حول "الليبيدو" أو غريزة الجنس بوصفها محركا أساسيا. ويقول: "إن أسباب الاضطرابات الهيستيرية توجد في الدخائل الحميمية للحياة النفسوجنسية للمريض...".

من أشكال اللاشعور:
1 ـ اللاشعور الفيزيولوجي: التنفس، الهضم...
2 ـ اللاشعور الجمعي: المعتقدات والأساطير التي تؤثر في السلوك...

3) الجهاز النفسي عند فرويد (مستويات الجهاز النفسي):

أ) الهو:
هو مجموعة الدوافع الغريزية القائمة على مبدأ اللذة، غير مهذب وغير أخلاقي، ويضم كل ما هو موروث وكل ما يظهر عند الميلاد وما هو مثبت في الجبلة. وهو لا يخضع لمبدأ الواقع ولا لمبادئ العلاقات المنطقية، وكثيرا ما ينطوي على دوافع متضاربة.

ب) الأنا:
هو قوة ضابطة مهمته مراقبة الهو والنشاط الإرادي وبفضله نحافظ على كيان الشخصية. ينشأ لأن الطفل لا يستطيع إشباع دوافع الهو بالطريقة الابتدائية، فيواجه العالم الخارجي ويخضع لمبدأ الواقع، فيقرر متى وأين وكيف يمكن للدافع أن يحقق غرضه.

ج) الأنا الأعلى:
يشمل التربية التي يتلقاها الفرد من الأسرة والمجتمع، وهو حافل بالمحظورات وأشكال القمع التي تقف في وجه الهو. فإذا نجح الأنا في التوفيق بين الهو والأنا الأعلى تحقق التوازن، وإذا ضعف نشأت العقد والاضطرابات النفسية.

4) الصراع والتوازن النفسي:
يحدث المرض النفسي حسب فرويد عندما ينفصل عن الشعور الواعي جزء منه، وكلما حاول العودة يلقى الكبت فيتحول إلى أحوال لا شعورية تترسب في صورة عقد، وتحاول أن تطفو فتُكبت وتظهر في شكل أمراض أو سلوك غريب وشاذ.

5) من الليبيدو إلى الغريزة العدوانية:
يرى التحليل النفسي أن دوافع الإنسان يمكن ردها إلى غريزتين: غريزة الحياة (الغريزة الجنسية بمعناها الواسع)، وغريزة الموت (العدوان والتدمير).

1 ـ دور الليبيدو:
تتجلى غريزة الحياة في الأعمال الإيجابية قصد المحافظة على الكيان، وقد وسع فرويد مفهوم الجنسية ليشمل مظاهر الحب والحنان واللذة الوجدانية.

2 ـ دور الغريزة العدوانية:
تظهر في السلوك التخريبي والعدوان على الغير أو على النفس، ويرى فرويد أنها استعداد غريزي مستقل، وتتمثل مهمة المجتمع في تهذيبها وترويضها.



III ـ اللاشعور بين النظرية العلمية والافتراض الفلسفي

هل تبرير اللاشعور يمثل نظرية علمية قائمة بذاتها، أم يظل مجرد افتراض فلسفي؟

1) التحليل كمنهج عيادي:
لا شك أن التحليل النفسي كشف عن فعاليته في علاج بعض الاضطرابات العصبية، وأن نتائجه تنير جوانب من سلوك المنحرفين والمجرمين والمجانين، وقد عزز ذلك الجانب الإنساني في التعامل مع الحالات المرضية.

2) فرضية اللاشعور والفرضيات المضادة:
المبالغة عند فرويد أدت إلى التشكيك في الطبيعة العلمية لفرضية اللاشعور، كما عارضه بعض تلامذته:

- آلفريد آدلر (1870 ـ 1937) رأى أن اللاشعور ليس مرده إلى الليبيدو، بل إلى الشعور بالقصور، وأن الأعراض نوع من التعويض.

- كارل يونغ (1875 ـ 1961) رأى أن النظرية الجنسية غير كافية، وأضاف الحاجة إلى السيطرة وانتهى إلى فكرة اللاشعور الجمعي.

كما أن جعل اللاشعور فلسفة عامة لتفسير كل النشاطات الإنسانية من فنون وآداب وعلوم يعكس طموحا يتجاوز واقع الأشياء، لأنه حاول تفسير الظواهر بمبدأ واحد وتفسير نشاطات اللاشعور كلها بمبدأ واحد هو الليبيدو، ففسر الأعلى بالأدنى.



خاتمة: حل المشكلة
يتضح من خلال ما سبق أن الحياة النفسية تتأسس على ثنائية متكاملة قوامها الشعور واللاشعور؛ فالشعور بحوادثه وأحواله شرط للإدراك وسائر الوظائف العقلية، واللاشعور بمخزونه المتنوع رصيد يمكّن من استكشاف تاريخ الفرد وتقويم سلوكه. ولذلك لا ينبغي النظر إلى الشعور دوما كساحة صراع، ولا إلى اللاشعور كسجن لرغبات مكبوتة، بل كطاقة يمكن توجيهها نحو الإبداع العلمي والفني، وتظل نظرية اللاشعور في سياق التحليل النفسي اجتهادا أضاء جوانب هامة من النفس البشرية وأسهم في معالجة كثير من اختلالاتها على مستوى السلوك.