المسؤولية والجزاء: هل الإنسان مسؤول عن أفعاله في كل الأحوال؟
الطريقة: جدلية
نص السؤال:
هل الإنسان مسؤول عن أفعاله في كل الأحوال؟
المقدمة (طرح المشكلة):
من الإشكاليات الفلسفية المعاصرة نجد إشكالية الجزاء، التي لم تتفق حولها النظريات الفلسفية،
وكان محور الخلاف حول مسألة تبعية الفعل. وإذا كان الجزاء هو الفكرة المترتبة عن المسؤولية،
فهذا يعني تحمل نتائج الفعل. ومن هنا تنوعت الرؤى الفلسفية بين النظرية العقلية والوضعية:
فالأولى تعتقد أن الإنسان مسؤول عن أفعاله لوحده، والثانية ترى أنه مدفوع بحتميات نحو الفعل.
ومن هنا يواجهنا السؤال الإشكالي التالي: إذا كان الإنسان متمتعا بحرية الاختيار،
فهل معنى ذلك أنه مسؤول عن أفعاله؟
العرض (محاولة حل المشكلة):
1) الأطروحة: الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنه حر
يرى أنصار الأطروحة أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وهذا انطلاقا من أنه يتمتع بحرية الاختيار
والمفاضلة بين الأشياء وكذا التمييز، ومن هنا فهو مسؤول عن كل ما يصدر عنه من أفعال.
ويبرهن أنصار الأطروحة على فكرتهم بحجة أن كل إنسان يتميز بحرية الاختيار،
بل يتمتع بها، ومن هذا المنطلق فهو مسؤول عن أفعاله.
وهذا ما يعتقد به أفلاطون الذي يؤكد على أن الناس مسؤولون عن أفعالهم،
ويتهمون القضاء والقدر والله بريء من تصرفاتهم، ومن هنا لا بد من عقابهم أشد العقاب.
ونفس التصور يذهب إليه الفيلسوف إيمانويل كانط الذي يرى أن الإنسان مسؤول عن كل ما يصدر عنه من أفعال
ويستحق العقاب الصارم، وأي فكرة تريد أن تذكر صيغة الأسباب والبواعث فهي باطلة،
بحيث ما يبعث الإنسان على الفعل إلا انتقاء له.
ويستدل كانط بطريقة العقاب التي كان يحاكم بها المجرمين قديما، وهي أن يحضر إلى ساحة تعرف بساحة العقاب،
بحيث تُقرأ جرائم المجرم أمام الجميع، على أن يكون يوم عطلة، ويجبر الأطفال والنساء على الحضور لمعاينة العملية.
وبعد تنفيذ الحكم وهو الإعدام، وقبل أن ينصرف الجميع تُقرأ الجملة المفيدة:
"كل من تخول له نفسه أن يقوم بنفس الأفعال التي قام بها المجرم يقابل بنفس المشهد الرهيب".
وهكذا ينصرف الناس خائفين مذعورين من هول ما عاينوه، ومن هنا تكون العقوبة قد أدت دورا تربويا وأخلاقيا.
وهذا ما أعلن عنه الفيلسوف الفرنسي نيكولا مالبرانش الذي يرى أنه من الواجب علينا أن نعاقب المجرم،
ومن لا يطلب ذلك لا يحب الله ولا العدالة.
كما يرى الفيلسوف جون بول سارتر أن الإنسان يختار الماهية بنفسه وهو مسؤول عن أفعاله دون أي تأثير خارجي،
وعليه لا بد من العقاب الصارم.
نقد الأطروحة:
إن أنصار الأطروحة قد أكدوا على فكرة العقاب على أن الإنسان مسؤول عن أفعاله في كل الأحوال،
ونظروا إليه على أنه يتميز بالحرية المطلقة، والواقع لا يؤيد ذلك؛
فمن الممكن أن تحيط بالإنسان مجموعة من الحتميات تعيقه في التكيف مع وضعيات كثيرة.
2) نقيض الأطروحة: الإنسان غير مسؤول لأنه ليس حرا
يرى أنصار نقيض الأطروحة أن الإنسان غير مسؤول لوحده عن أفعاله،
بل يتقاسم المسؤولية مع مجتمعه، وذلك لوجود مجموعة من الحتميات المختلفة
على مستويات كثيرة: فزيولوجية، نفسية، اجتماعية.
ويبرهن أنصار الأطروحة على فكرتهم بحجة أن الإنسان مرتبط بحتميات كثيرة،
وعلى رأسها الحتمية الفزيولوجية التي تتحكم في تركيبه الفزيولوجي الذي يعبر عن وراثة الجريمة.
وكان هذا رأي لومبروزو الذي يرى أن الإنسان قد ورث الجريمة عن ذويه انطلاقا مما يلاحظ عليه من صفات توحي بالإجرام.
وهذا ما يؤكده بالحجة النفسية العالم النفساني فرويد، إذ يرى أن الإنسان يعاني صراعا نفسيا داخل جهازه النفسي،
عن طريق اختلال التوازن الذي يقود إلى الجرائم، ومن هنا يكون المجرم مريضا نفسيا لا بد من معالجته في النهاية،
وعليه فهو غير مسؤول لوحده بل هناك أسباب نفسية ضاغطة.
ويضيف أنصار الأطروحة فكرة أخرى تتعلق بالجانب الاجتماعي، وكان هذا رأي الفيلسوف فيري
الذي يرى أن العامل الشخصي لا يؤدي وحده إلى الجريمة إلا إذا ساعده العامل الاجتماعي،
ومثل ذلك مثل المادة القابلة للذوبان لا تذوب إلا إذا عرضناها إلى الحرارة.
وتدني المستوى الثقافي والجهل دليل على ذلك،
ومن هنا تكون الأسباب الاجتماعية هي الدافع إلى الجريمة.
وبالتالي فالمسؤولية جماعية وليست فردية.
نقد نقيض الأطروحة:
يمكن القول إن أنصار هذا الموقف قد نظروا إلى الإنسان بنظرة السجين داخل الحتميات المختلفة،
والواقع يؤكد أن الإنسان يمتلك حرية الاختيار والانتقاء؛
فهو مسؤول، فليس كل من أجرم كان السبب نفسيا واجتماعيا، بل قد يعود إلى أسباب أخرى.
3) التركيب:
بعد عرض الأطروحتين يتبين أن المسؤولية فردية وجماعية معا؛
نأخذ بالعقاب انطلاقا من استقصاء الدوافع بحذر شديد دون أن ننخدع أمام ظرف مفتعل،
أي لا نهمل العقاب مع الاهتمام بالأسباب المؤدية إلى الجريمة.
الخاتمة (حل المشكلة):
يمكن القول في الختام إن الإنسان مسؤول عن أفعاله مع النظر إلى الأسباب،
فمهما يكن يجب أن يسعى الإنسان إلى تحقيق مجتمع فاضل خال من الجريمة،
وهذا ما يوضح إنسانية الإنسان.