الحرية والمسؤولية: إذا كانت الحرية مشروطة بالمسؤولية فهل الإنسان حر أم مقيد؟

الطريقة: جدلية

نص السؤال:
إذا كانت الحرية مشروطة بالمسؤولية فهل الإنسان حر أم مقيد ؟/ خاصة بشعبة اللغات الاجنبية .



المقدمة (طرح المشكلة):
يعتبر مفهوم الحرية من أكثر المفردات اللغوية جمالية ووجدانية، لذا استحقت اتخاذها شعارا للحركات الثورية وقوى التحرر والأحزاب السياسية والعديد من الدول ومنظمات حقوق الإنسان في العالم، بوصفها قيمة إنسانية سامية. غير أنها من بين أكثر المصطلحات اللغوية والفلسفية إشكالية؛ فقد تعددت التعاريف الفلسفية التي أعطيت لها، إلى حد لا نكاد نقع فيه على تعريف جامع مانع لها. كما دار حولها جدل كبير لأنها مشروطة بالمسؤولية. وتعني الحرية حسب الفيلسوف هوبز التغلب على العوائق الخارجية المتمثلة في العادات والقوانين الاجتماعية، والتغلب على العوائق الداخلية المتمثلة في الأهواء والعواطف، والحرية على العموم هي القدرة على القيام بالفعل أو الامتناع عنه. وعليه اختلف وتناقض الفلاسفة حول الحرية: فهناك من يثبتها ويرى بأن الإنسان حر حرية مطلقة، وهناك من ينفيها ويرى بأن الإنسان مقيد غير حر. وعليه نتساءل: إذا كانت الحرية مشروطة بالمسؤولية فهل الإنسان حر أم مقيد؟ وبتعبير آخر: هل الشعور كاف لإثبات الحرية؟



العرض (محاولة حل المشكلة):

1) عرض منطق الأطروحة: الحرية ثابتة والإنسان مختار
يرى أنصار الإثبات والاختيار وعلى رأسهم أفلاطون والمعتزلة وديكارت وكانط وكذا برغسون وسارتر أن الإنسان حر وأن أفعاله صادرة عنه وهو قادر على الشعور بها، وأن الحرية مبدأ مطلق لا يفارق الإنسان وبه يتخطى مجال الدوافع الذاتية والموضوعية.

الحجج:
عبر أفلاطون عن الحرية في صورة أسطورة ملخصها أن "آر" الجندي الذي استشهد في ساحة الشرف يعود إلى الحياة من جديد فيروي لأصدقائه ما رآه في العالم الآخر، حيث يُطالب الأموات بأن يختاروا بمحض حريتهم مصيرا جديدا لتقمصهم القادم، ثم يشربون من نهر النسيان ويعودون إلى الأرض وقد نسوا أنهم هم الذين اختاروا مصيرهم، فيتهمون القضاء والقدر، في حين أن الله بريء.

كما ترى المعتزلة أن شعور المرء أو إرادته هي العلة الأولى لجميع أفعاله وهي منحصرة في قرارة نفسه، وقد عبر "الشهرستاني" عن رأيهم بقوله: "إن الإنسان يحس من نفسه وقوع الفعل على حسب الدواعي والصوارف إذا أراد الحركة تحرك وإذا أراد السكون سكن". وهم يعتبرون أن كون الإنسان يحاسب على أفعاله بالجنة أو النار يوم القيامة حجة على عدل الله، فلو لم يكن الإنسان حرا لبطل التكليف والتشريف والثواب والعقاب. ويستدلون بآيات منها: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، و«ولا تزر وازرة وزر أخرى»، و«ومن يعمل سوءا يجز به»، و«فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

ويرى ديكارت أن الحرية حالة شعورية ونفسية، والشعور بالحرية يكفي دليلا على وجودها؛ فهي بداهة لا تحتاج إلى تفسير، إذ يقول: «إن حرية إرادتنا يمكن أن نتعرف عليها دون أدلة وذلك بالتجربة وحدها التي لدينا عندها»، ويقول أيضا: «إننا جد متأكدين من الحرية وليس هناك شيئا نعرفه بوضوح أكثر مما نعرفها»، ويؤيده بوسويه بقوله: «إن الإنسان الصحيح العاقل لا يحتاج البرهنة على الحرية فهو يشعر بها في داخله».

كما أثبت كانط الحرية عن طريق البرهان الأخلاقي بقوله: «إن كان يجب عليك فأنت تستطيع»، فالقيام بالواجب يدل على وجود الحرية، والإنسان المكره لا يعد عمله أخلاقيا، وقد دعمه الإمام الغزالي بقوله: «الإكراه على الفضيلة لا يصنع الرجل الفاضل كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الرجل المؤمن».

ويميز برغسون بين "أنا" سطحي لا تظهر فيه الحرية، و"أنا" عميق يدرك الإنسان فيه حريته بالحدس، إذ يقول: «إن الفعل الحر... هو ذلك الذي يتفجر من أعماق النفس».

أما جون بول سارتر فيرى أن الإنسان لا يوجد أولا ثم يكون حرا، بل وجوده عين حريته، وهو مضطر إلى الاختيار والمسؤولية عن اختياراته، ويقول: «لا فرق بين وجودي وحريتي»، و«نحن محكوم علينا أن نكون أحرارا».

نقد الأطروحة:
بالرغم من منطقية الأدلة السابقة إلا أن القول بالحرية المطلقة يتحدى قوانين الكون ويظل ضربا من الخيال، فتعريف الحرية بأنها غياب كل إكراه داخلي أو خارجي تعريف ميتافيزيقي غير واقعي، كما أن شعورنا بأننا أحرار قد يكون مصدرا للانخداع والغـرور؛ فالظواهر النفسية ذاتية ومتقلبة، وقد نكون متأكدين من أمر ثم نكتشف خطأنا. ثم إننا لا نفعل دائما ما نريد بل ما نستطيع، لأننا مقيدون بقيود كثيرة كالعادات والتقاليد والطبيعة والكوارث. كما أن تصور سارتر قد يبدو متشائما حين يجعل الحرية إلزاما قاهرا.

2) عرض نقيض الأطروحة: الإنسان مسير ومقيد بحتميات
في المقابل ذهب أنصار الجبر من فلاسفة وعلماء إلى أن الإنسان مسير وليس حرا، ومعنى ذلك أن السلوك الإنساني يسير في دائرة الحتمية ويفتقد إلى عنصر الإرادة وقدرة الاختيار. فأنصار النفي وعلى رأسهم الحتميون (واطسون، ماندل، مورغان، فرويد) والجبرية ومن أنصارها الجهمية يرون أن الحرية المطلقة أمر مستحيل التحقيق.

الحجج:
يرى الحتميون أن مبدأ الحتمية قانون عام يحكم العالم ولا يقتصر على الظاهرة الطبيعية فقط بل أيضا على الإرادة الإنسانية، فتكون إرادتنا تابعة لنظام الكون. وتتعدد الحتميات التي يخضع لها الإنسان:
- الحتمية الطبيعية/الفيزيائية: فالإنسان يخضع للجاذبية ويتأثر بالحر والبرد والضغط الجوي والضوء، ويعمل جسده في كثير من الوظائف بشكل آلي.
- الحتمية البيولوجية: فالإنسان يمر بمراحل ثابتة (الجنين، الطفولة، الشباب، الكهولة، الشيخوخة، ثم الموت)، ولا يمكنه تجاوزها، كما يحمل معطيات وراثية (الكروموزومات) تنتقل وفق قوانين صارمة كما أثبت ماندل ومورغان.
- الحتمية السلوكية: أثبت بافلوف أن السلوك آلي، فإذا توفر المنبه حصلت الاستجابة، ووافقه واطسون، كما أن الغدد الصماء تؤثر في الشخصية.
- الحتمية الاجتماعية: يمثلها دوركايم بقوله: «حينما يتكلم ضميرنا فإن المجتمع هو الذي يتكلم فينا»، فالإنسان لم يختر اسمه ولا أسرته ولا لغته، وهو يتأثر بثقافة المجتمع وعاداته وعقوباته.
- الحتمية النفسية: عند فرويد يخضع الإنسان لرغبات مكبوتة ولاشعورية، ويرى آدلر أن الشعور بالنقص محرك أساسي يدفع إلى التعويض.

أما الرافضون للحرية عند المسلمين فتمثلهم فرقة الجهمية التي ترى أن كل أفعال الإنسان خاضعة للقضاء والقدر ولا إرادة له ولا اختيار، ويستدلون بآيات منها: «الله خلقكم وما تعملون»، و«وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين».

نقد نقيض الأطروحة:
على الرغم من منطقية هذه الأدلة إلا أن القول بالحتمية لا يعني تكبيل الإنسان ورفع مسؤوليته، إذ لم يميز الحتميون بين عالم الأشياء الآلي وعالم الإنسان الذي يتميز بالعقل والوعي. كما أن وجود قوانين في الطبيعة لا ينفي الحرية، وظهور الأبطال والثوار الذين خالفوا مجتمعاتهم دليل على الاختيار. ثم إن الفهم الجبري يدعو إلى التعطيل والكسل، ويجعل الثواب والعقاب بلا معنى: فإذا كان الإنسان مجبرا فلماذا يحاسب؟ ويتبين هنا أن القضاء والقدر سابق وليس سائقا.

3) التركيب والرأي:
مما سبق نصل إلى أن هناك تناقضا بين أنصار الجبر وأنصار الاختيار: الجبريون ينفون الحرية بصفة مطلقة، وأنصار الاختيار يثبتونها. والنظرة الواقعية للحرية تقتضي تبني موقف وسط؛ وهو ما أكده ابن رشد: فالإنسان ليس حرا حرية مطلقة بل حريته محدودة. كما يرى أبو الحسن الأشعري ـ قصد التوسط ـ أن أفعال الإنسان لله خلقا وإبداعا وللإنسان كسبا ووقوعا. ويرى بول فولكي أن هناك تكاملا بين الحرية والحتمية، بل إن انعدام الحتمية يؤدي إلى انعدام الحرية، وضرب مثالا بقوله: «إنه من السهل علينا أن نذهب حيث شئنا بسيارة لأن حركتها مضبوطة ومدروسة بدقة سلفا، ولكنه من الصعب أن نستعمل الحصان لأن حركاته كثيرا ما تكون عفوية».

وبناء عليه يمكن القول إن الإنسان ليس حرا حرية مطلقة ولا مجبرا جبرا تاما، بل يملك حرية نسبية داخل حدود الحتميات، ولذلك تبقى المسؤولية ممكنة وضرورية. فالحرية عمل وممارسة؛ إذ يتجاوز الإنسان الحتمية الطبيعية بالعلم والعمل، ويتجاوز الحتمية الاجتماعية بنقد العادات البالية، ويتجاوز الحتمية النفسية بالإرادة والعلاج، ويتجاوز الحتمية الاقتصادية بالسعي إلى الاكتفاء.



الخاتمة (حل المشكلة):
وفي الأخير نصل إلى أن مسألة الحرية ترتبط بجوهر الإنسان: فهو كائن يمتلك حرية الاختيار، ما يجعل مكانته أسمى بين المخلوقات لأنه عاقل وقادر على تجاوز كثير من العوائق والحتميات. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة بل مشروطة بالمسؤولية وحدود الواقع، ومن ثم فالإنسان حر بقدر ما يعي شروط فعله ويتحمل نتائجه. ويصدق هنا قول الفيلسوف إيمانويل مونييه: «إن كل حتمية جديدة يكتشفها العالم تعد نوطة تضاف إلى سلم أنغام حريتنا».