الحرية: هل هي حالة شعورية أم عمل وتحرر؟

الطريقة: جدلية

نص السؤال:
هل الحرية حالة شعورية أم عمل وتحرر؟



المقدمة (طرح المشكلة):
ندرك جيدا أنه لا شيء أروع من الحرية، فهي من أكثر القيم الإنسانية إغراءً وارتباطا بكرامة الإنسان، غير أن مفهومها ظل إشكالا كبيرا ومعقدا طُرح قديما وحديثا وما يزال يطرح بقوة في عصرنا الراهن. لقد تعددت الإجابات حولها عبر التاريخ: فهناك من يرى أن الحرية عمل وتحرر مستمر، وهناك من يرى أن الحرية وعي شعوري وحدس نفسي حتى دون ممارسة. وعلى ضوء ذلك نطرح الإشكال التالي: هل تتجلى الحرية في استقلالنا عن الطبيعة أم في العمل على تغييرها؟ وبعبارة أخرى: هل الحرية مسألة نظرية أم عملية؟ وإذا كان من الوهم الانفلات من قوانين الكون فكيف نحقق حريتنا؟



العرض (محاولة حل المشكلة):

1) الموقف الأول: الحرية حالة شعورية (مسألة نظرية)
يرى أصحاب هذا الموقف أن الحرية حالة شعورية تُدرك بالحدس النفسي، وهي معطى أولي مباشر في التجربة الداخلية. وفي نظرهم أن الحرية تجربة يشعر بها الإنسان قبل الفعل وأثناءه وبعده. ويستدلون بظاهرة الندم: فالندم تجربة نفسية تكشف أن الإنسان يُحمل نفسه مسؤولية أفعاله لأنه اختارها بإرادته وبحرية.

ومن المؤيدين لهذا التصور المعتزلة، وقد شاع عنهم القول: "الإنسان يحس من تلقاء نفسه وقوع الفعل فإذا أراد الحركة تحرك وإذا أراد السكون سكن ومن أنكر ذلك جحد الضرورة".

كما نجد برغسون الذي ميز بين الأنا السطحي والأنا العميق، وخلص إلى أن الحرية تتجلى في الأنا العميق، لأن التجربة النفسية تظهر اتساعا داخليا لا تحده ضوابط خارجية حين تستغرق الذات في أعماقها.

ومن أشهر فلاسفة الحرية في العصر الحديث جون بول سارتر (الوجودية) صاحب فكرة "الوجود أسبق من الماهية"، حيث يعتقد أن حياة الإنسان مشروع يجب إنجازه في ظل الحرية والمسؤولية. واستدل بتجربة "إعدام الأشياء" أي القدرة على الرفض، فقال: "ليست الحرية خاصتي مضافة إلى وجودي بل هي نسيج وجود نفسي". ومحصلة هذا الموقف أن الحرية معطى مباشر للشعور.

نقد الموقف الأول:
إن الشعور لا يكفي وحده، فقد يكون مصدرا للوهم والخداع؛ إذ قد نظن أننا أحرار بينما نحن خاضعون لدوافع خفية أو إكراهات لا نعيها. كما أن الحرية إذا بقيت مجرد إحساس داخلي دون أثر في الواقع، تحولت إلى فكرة مجردة. لذلك تبدو الحرية الفعالة والحقيقية هي التي تتحقق بتحرير الإنسان من قيود الطبيعة وأغلالها عبر فهم قوانينها وتسخيرها بالعلم والعمل.

2) الموقف الثاني: الحرية عمل وممارسة (تحرر واقعي)
يرى أصحاب هذا الموقف أن الحرية إنما تكون بالممارسة والعمل ولا ترتبط بمجرد الشعور. فالحرية من حيث المفهوم هي تجاوز كل إكراه داخلي أو خارجي مع وعي الإنسان بالأسباب الدافعة. أما الشعور فقد يوهمنا ويخفي عنا الدوافع الحقيقية؛ فقد يظن بعض الأشخاص أنهم أحرار في رغباتهم لكنهم يجهلون الأسباب التي تسوقهم للرغبة والشهوة.

فالحرية الحقيقية هي حرية التغيير: فهم قوانين الطبيعة والسيطرة على الأخطار والكوارث التي طالما قهرت الإنسان، إذ يتحول الإنسان من خضوع أعمى إلى تحكم واعٍ بواسطة العلم والعمل.

وفي هذا السياق نجد كارل ماركس الذي جعل الحرية عملا وممارسة لتحرير الطبقات المحرومة وتمكينها من شروط الحياة الكريمة. وإلى جانب ماركس نجد هيغل الذي ربط الحرية بجدلية "السيد والعبد" إذ يرى أن الإنسان أصبح سيدا بعد أن كان عبدا للطبيعة، وبفضل العلم والعمل ينتقل من التبعية إلى السيادة. ومحصلة هذه الأطروحة أن العمل والعلم أساس التحرر.

نقد الموقف الثاني:
إن هذا الموقف قد يتحول إلى تصور نسبي يرسم حدود التحرر؛ فالتوسع في السيطرة على الطبيعة دون وعي أخلاقي قد ينقلب إلى فوضى واستبداد وإلى اختلال بيئي ووسائل غير إنسانية. كما أن العمل وحده لا يكفي إذا لم يسبقه وعي يوجهه ويضبطه. لذلك فالحرية قبل أن تكون ممارسة هي وعي وإدراك ومسؤولية.

3) التركيب:
تبدو الحرية مشكلة تتأرجح بين الشعور والممارسة، لكنها لا تتحقق إلا بانتقال الإنسان من مجرد الإحساس الداخلي إلى الفعل الواقعي الذي يترجم ذلك الإحساس إلى تحرر. فالشعور يمنح الحرية معناها الذاتي، والعمل يمنحها وجودها الموضوعي. وفي هذا المعنى يقول غوسدروف: "ينال المرء دائما الحرية التي هو أهل لها والتي هو قادر عليها".



الخاتمة (حل المشكلة):
ومجمل القول أن الحرية مسألة فلسفية عرفت طرحين متعارضين: طرحا كلاسيكيا يجعلها حالة شعورية، وطرحا واقعيا يجعلها عملا وتحررا. ومن خلال ما سبق نستنتج أن الحرية تنطلق من الوعي والشعور، لكنها لا تكتمل إلا بالممارسة التي تحولها إلى تحرر فعلي في الواقع.